السيولة تحولت من استثمارات نوعية إلى أموال ساخنة الخليج - حاتم فاروق/
تشير الأرقام والبيانات المتاحة لدى المؤسسات المالية الحكومية في دولة الإمارات إلى حدوث طفرة ملحوظة في حجم السيولة بالأسواق المحلية، هذه السيولة كانت نتاجاً طبيعياً لتدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة للعمل داخل البلاد، إلى جانب الزيادة غير المتوقعة لأسعار النفط في الأسواق العالمية والتي رشحها خبراء الاقتصاد والمال إلى مزيد من الارتفاعات المتتالية خلال العام الجاري لتصل إلى أرقام قياسية جديدة .
السؤال المطروح . . هل ستنجح الدولة ممثلة في المؤسسات المالية الحكومية بقيادة المصرف المركزي في استغلال السيولة الفائضة في الأسواق المحلية، أم ستؤدي مثل هذه السيولة إلى مزيد من المشاكل الاقتصادية في الأسواق وفي مقدمتها تفاقم معدلات التضخم؟
إذا نجحت الدولة في استغلال مثل هذه السيولة . . فما دور القطاع الخاص في دعم هذه الخطط الحكومية؟ خاصة وان كافة الحقائق تؤكد أن السيولة الفائضة لدى القطاع الخاص أصبحت تبحث عن فرص المضاربة داخل الاقتصاد المحلي بدلا من الفرص الاستثمارية في محاكاة لأسلوب ونهج الأموال الساخنة الأجنبية التي أصبحت تجوب العالم بحثا عن تحقيق عوائد استثنائية سريعة، وذلك نتيجة تحول العديد من الدول إلى تحرير القيود المفروضة على تحركات رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية الخاصة .
في البداية أكد رضا الموسوي رئيس مجلس إدارة الشركة الوطنية لتكرير السكر أن فائض السيولة لدى القطاعات الحكومية أصبح فرصة سانحة لاستغلاله في مشاريع البنية التحتية التي تخدم بشكل عام الاقتصاد الكلي وتعمل على زيادة قدرة الاقتصاد الوطني على التنافس في جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، في حين بدا القطاع الخاص خوض معركة استغلال فائض السيولة من خلال الدخول في شراكات أو تأسيس مشاريع سريعة الربحية في محاولة لاقتناص فرص الاستثمارات قصيرة المدى .
وأشار الموسوي إلى أن تركز الاستثمارات في قطاعات الأوراق المالية والعقارات والسياحة تجعل من الاقتصاد الاماراتي اقتصاد شديد الحساسية للأزمات المحلية أو الدولية التي تصيب أحد هذه القطاعات، مشيراً إلى أن استغلال فائض السيولة المحلية بالطرق التقليدية أدى إلى انخفاض في معدلات النمو بالاقتصاد الاماراتي المتوقعة من جانب المؤسسات المالية الدولية كما ساهم بشكل كبير في ارتفاع معدلات التضخم المحلية مما يشير إلى أن سوء استخدام تلك السيولة أصبح عنصرا معوقا لحركة النشاط الاقتصادي بالدولة، مطالبا بضرورة تبني سياسات تحفيزية للنشاطات الاقتصادية ذات القيمة المضافة التي تساهم بشكل مباشر في مسيرة التنمية الاقتصادية بالدولة خاصة الصناعات أو القطاعات ذات البعد الاجتماعي مثل خدمات الصحة والتعليم، نظرا لأن هذا النوع من الأنشطة غالبا ما يستلزم تكلفة مرتفعة من أجل تأسيس المشروعات كما يتطلب فترة زمنية طويلة إلى حد ما منذ البدء في إجراءات التأسيس وحتى بداية التشغيل الفعلي، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع فترة انتظار المستثمر حتى يحصل على العائد المنتظر، هذا فضلا عن أن قطاعات الاستثمار الصناعي والتعليمي والصحي تحتاج إلى كوادر خاصة وخبرات معرفية قد لا تتوافر في الكثير من الأحيان وان توافرت فإن تكلفتها تكون مرتفعة .
وأكد د . محمد عفيفي مدير مركز الأبحاث في شركة الفجر للأوراق المالية أن توجهات استثمار السيولة الفائضة لدى القطاع الخاص في دولة الإمارات والأهداف المرجوة من هذه الاستثمارات تختلف عن تلك الخاصة بالقطاع الحكومي أو الأذرع الاستثمارية للحكومات، مشيرا إلى أن القطاع الحكومي يبحث دائما عن تنويع الاستثمارات وعدم الاعتماد على مساهمات القطاع النفطي في الناتج المحلي الاجمالي بما يوفر درجة عالية من المرونة لاقتصاديات الدولة تجعلها قادرة على احتواء الأزمات سواء الدولية أو المحلية، في حين لا يأخذ القطاع الخاص في اعتباره ذلك البعد القومي للاستثمارات، بمعنى أن نظرة القطاع الخاص لكيفية توجيه السيولة الفائضة لديه في الظروف الاعتيادية غالبا ما تقتصر على أبعاد التكلفة والربحية ومدى توافر الأيدي العاملة ومستلزمات التشغيل الخاصة بمشروعه .
وأضاف عفيفي أن الفترة الأخيرة شهدت مع تزايد تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى داخل إمارات الدولة المختلفة تغييراً جوهرياً في تفكير وسلوك القطاع الخاص بدولة الإمارات، إذ أصبحت السيولة الفائضة لدى القطاع الخاص داخل الاقتصاد المحلي تبحث عن فرص المضاربة داخل الاقتصاد المحلي بدلا من الفرص الاستثمارية في محاكاة لأسلوب ونهج الأموال الساخنة الأجنبية التي أصبحت تجوب العالم بحثا عن تحقيق عوائد استثنائية سريعة وذلك نتيجة تحول العديد من الدول إلى تحرير القيود المفروضة على تحركات رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية الخاصة، وما استتبع ذلك من نشوء فرص مضاربة لتحقيق ربح سريع ومرتفع شجعت تلك الأموال الفائضة في سائر بلاد العالم إلى التحول نحو المضاربة السريعة بدلا من الاستثمار المتوسط وطويل الأجل .
وأشار مدير مركز أبحاث شركة الفجر للأوراق المالية إلى أن السلوك الاستثماري العام للقطاع الخاص أصبح يتصف بالميل أكثر نحو المضاربة قصيرة الأجل بدلا من الاستثمار متوسط وطويل الأجل، بمعنى محاولة استغلال الأموال الفائضة المتاحة في تحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد السريعة بغض النظر عن القيمة المضافة لهذه الاستثمارات أو الآثار السلبية التي من الممكن أن تطال اقتصاديات الدولة جراء انتشار ذلك السلوك المضارب، مؤكدا أن السيولة الفائضة تحولت من أموال استثمارية تبحث عن تحقيق عوائد مجزية من مشروعات تمثل إضافة نوعية لاقتصاد الدولة إلى أموال ساخنة تبحث عن عوائد استثنائية في فترات زمنية قصيرة خاصة مع كون العديد من التشريعات والجهات الرقابية لا تزال في إطار التكوين، وقد نتج عن هذا السلوك المضارب فقاعة الأسهم في عام 2005 والآن تحولت هذه السيولة الفائضة إلى القطاع العقاري ومنها من اندفع مؤخرا نحو المجهول بالاستثمار في محافظ استثمارية وهمية ومنها من اتجه إلى المضاربة في العملات ومنها من اتجه إلى المضاربة في المعادن النفيسة .
ومن جانبه قال خلفان الكعبي عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة ابوظبي إن استثمار السيولة الفائضة في دولة الإمارات تتم في الوقت الراهن بالشكل الامثل حيث يتجه رأس المال إلى قطاعات البناء والتشييد العمراني والقطاعات المرادفة له كالبنى التحتية، مرجعا ذلك إلى المردود الاقتصادي العالي والسريع لمثل هذه الاستثمارات، مؤكدا أن هذا الاتجاه يمثل مرحلة مهمة من مراحل النمو الضرورية في الاقتصاديات الناشئة والتي تهدف إلى بناء قاعدة متينة يمكن أن تكون أساسا لبناء القطاعات الأخرى .
وقال الكعبي، إن انحصار الاستثمارات في عدد من القطاعات مثل قطاعات السياحة والعقارات والأسهم يرجع في الأصل إلى زيادة ربحية هذه القطاعات، مشيرا في هذا الصدد إلى أن تراجع الاستثمارات في القطاعات الأخرى مثل قطاعات الصناعة والتعليم والصحة يرجع إلى أسباب كثيرة أهمها شح الموارد الأولية، وقلة الايدي العاملة المتمرسة، وندرة الكفاءات الفنية، فضلا عن طول أمد المردود الاقتصادي وعدم اكتمال البنية التحتية المساعدة، إلى جانب عوامل البيئة والقوانين الاقتصادية والاهم من هذا وجود خيارات أخرى أكثر سهولة ومرونة وأعلى ربحية، موضحاً انه على الرغم من بروز بعض الاستثمارات في قطاعات التعليم والصحة إلا أنها مازالت ناشئة وتحتاج إلى فترة زمنية للانتعاش والتطور، ويعتمد ذلك على مدى رضا المستثمر من العوائد التي يجنيها مما يحفز الآخرين للولوج إليها .
ومن جانبها قالت رولا السطري مدير الجودة بشركة إتقان البواردي للحاسب الآلي، إن السيولة الفائضة تتركز في قطاعات محددة كالقطاع العقاري وقطاع الأسهم مما يزيد من معدلات التضخم في الاقتصاد المحلي، مشيرة إلى أن الاستثمارات تبقى محصورة في القطاع العقاري والسياحة والأسهم نظراً للمردود المادي السريع وسهولة الاستثمار مقارنة بالقطاعات الأخرى كقطاع الصناعة والصحة، كما أن تلك القطاعات تعد من أسرع القطاعات نمواً في دولة الإمارات العربية المتحدة، فمثلاً سجل القطاع العقاري في الإمارات نمواً متسارعاً حيث صار أسرع القطاعات الاقتصادية نمواً في المنطقة، ويتم الإعلان عن إطلاق مشروعات عقارية بشكل شبه يومي، موضحة أن نمو القطاع العقاري صاحبه نمو في قطاع التمويل والتسهيلات العقارية مما يحفز بدوره المستثمرين على الاستثمار في القطاع .
وحول الأسباب التي أدت إلى ضعف الاستثمار في قطاعات أخرى مثل قطاعات الصناعة وخدمات التعليم والصحة، قالت السطري إن عدم توفر العمالة المؤهلة والمدربة يعد السبب الرئيسي الذي أدى إلى ضعف الاستثمار في القطاعات الأخرى، ومع ذلك فقد شهدت دولة الإمارات تطوراً في قطاعات الصناعة وخدمات التعليم والصحة في الآونة الأخيرة حيث ارتفع حجم الاستثمارات في تلك القطاعات بشكل ملحوظ .
وطالبت السطري بضرورة قيام الجهات الحكومية والغرف التجارية بتقديم الدعم الفني للقطاع الخاص من خلال إصدار البيانات لحث المستثمرين على التوجه باستثماراتهم إلى الأنشطة الاستثمارية الأخرى، فضلا عن تقديم الحوافز والمزايا والدعم لهذه الأنشطة بما يساهم في تخفيض تكلفة الإنتاج وزيادة العوائد، مؤكدة أن تنويع استثمارات القطاع الخاص تشكل دعما أساسيا لجهود الحكومة في تطبيق الاستراتيجية العامة للدولة المتمثلة في تنويع حركة النشاط بالدولة وخفض درجة الاعتماد على البترول كمصدر للدخل مما يوفر مرونة للاقتصاد الاماراتي في مواجهة الأزمات المختلفة سواء المحلية منها أو الدولية . |