المسلم البصير بأمور دينه ودنياه يكون همه العمل الذي يرضي المولى عز وجل وكذلك القول السديد الذي يجد ثوابه في ميزان حسناته يوم القيامة. فالعمل الذي لا منفعة منه ضائع على صاحبه ولو ارتكب في معصية يكون شراً عليه. والقول يوزن بميزان الأعمال، فعندما يمسك الإنسان لسانه عن الشر والسوء يكون صادقاً في قوله فيحبه الناس وهو في ذلك ينال مرضاة ربه عز وجل.
والمسلم التقي النقي يكون ديدنه العمل المفيد والقول السديد الذي يجني من ورائهما الخير الكثير في الدنيا والآخرة وهو الذي يحرص على أن تكون أوقاته معمورة بما هو مفيد فلا يقضيها في اللهو والخوض بالباطل في أعراض الناس، قال تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) وإذا رضى المولى عز وجل عن عبده فقد حيزت له الدنيا بحذافيرها ومن حاز هذه المنزلة تراه يحسن الظن بالله وبالناس فلا يشغل فيما لا يعنيه ولا يقول إلا صدقاً ولا يتجسس على الناس ويتتبع عوراتهم.
فالمسلم العاقل هو الذي يتقي ربه ويخشاه في جميع أعماله ويراقبه عند كل قول وعمل ويحرص على أن يكون لسانه رطباً بذكر الله عز وجل وأن يمسكه إلا عن القول النافع وأن يتجنب السخرية بالآخرين ويعمل على تجميل النفس بالطاعات والتحلي بمكارم الأخلاق وترك الطعن في الناس وسوء الظن بهم، قال صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، قال الشيباني:
مكتوب في الكتب: كما تدين تدان وبالكأس الذي تسقى به تشرب منه وزيادة، لأن البادئ لابد له من أن يزاد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعظم الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضاً في الباطل. رواه ابن أبي الدنيا من حديث قتادة مرسلاً ورجاله ثقات، ورواه هو والطبراني موقوفاً على ابن مسعود بسند صحيح.
وفي هذا إشارة إلى قول الحق سبحانه وتعالى: (وكنا نخوض مع الخائضين) المدثر: 45، وقوله تعالى: (فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) النساء: 140.
والخوض في الباطل يكون حول الكلام في المعاصي، كخطاياتهم عن أحوال النساء، وأكثر الناس يتجالسون ويكون كلامهم التفكه بأعراض الناس.روى عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال. رواه أبو داوود في حديث والطبراني وزاد: وليس بخارج، والحاكم بنحوه
وقال صحيح الإسناد وردغة الخبال: هي عصارة أهل النار.فعقاب الذي يتكلم في أعراض الناس أن يسقى عصارة النار الآتية من انصهار أجسام الفجار.وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن العبد ليتلكم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقى لها بالاً يرفعه الله بها درجات في الجنة، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقى لها بالاً يهوى بها في جهنم. «رواه مالك والبخاري واللفظ له والنسائي والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم، ولفظه.
إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يظن أن تبلغ ما بلغت يهوى بها سبعين خريفاً في النار. ورواه البيهقي ولفظه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن العبد ليقول الكلمة لا يقولها إلا ليضحك بها المجلس يهوى بها أبعد ما بين السماء والأرض، وإن الرجل ليزل عن لسانه أشد مما يزل عن قدميه.
المسلم العاقل هو الذي لا يتحدث بمساوئ الغير ويسيء الظن بالناس فهذا منهي عنه، والظن عبارة عما تركن إليه النفس ويميل إليه القلب.قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا.(الحجرات 12) فأسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب، وليس لك أن تعتقد في غيرك سوءا إلا إذا انكشف لك بعيان لا يقبل التأويل.
المسلم العاقل هو الذي إذا خطر له خاطر بسوء على مسلم ينبغي أن يزيد في مراعاته ويدعو له بالخير فإن ذلك يغيظ الشيطان ويدفعه عنه.روى عن كثير بن زياد قال: سمعت الحسن يقول: لا تسأل عن عمل أخيك الحسن والسيئ فإنه من التجسس.
قال أبو حاتم محمد بن حبان البشتي رضي الله عنه:الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه، فإن من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنه ولم يتعب قلبه، فكلما اطلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من أخيه، وإن من أعجز الناس من عاب الناس بما فيهم وأعجز منه من عابهم بما فيه، ومن عاب الناس عابوه.
حامد واكد