توظيف سعر الصرف في تنفيذ السياسة الاقتصادية
الخليج/ محمد الصياد
يعتبر سعر صرف العملة كما هو معروف أهم أدوات السياسة النقدية التي تحرص حكومات الدول وسلطاتها النقدية متمثلة في البنوك المركزية، على إدارة دفتها بعناية شديدة نظراً لاتصالها الوثيق بضبط ايقاع الحركة الاقتصادية والتحكم في مؤشرات أدائها القياسية توسعاً وانكماشاً , وسعر الصرف المناسب (وليس المثالي) هو السعر الذي يكون فيه سعره الحقيقي غير بعيد عن سعره الاسمي ,
وليس بالضرورة أن يكون اعتماد سياسة سعر صرف “مكشوف” إن جاز التعبير أي الذي لا يحظى برعاية ودعم السلطات النقدية المسؤولة (البنك المركزي عادة) بغية إضعافه، أي اعتماد سياسة سعر صرف منخفض للعملة الوطنية ليس سياسة سيئة بالمطلق الى حين استنفاذها لغرضها، مثلما انه ليس بالضرورة ان تكون جيدة سياسة اعتماد سعر صرف مرتفع للعملة الوطنية ,
تأسيساً على ذلك فإن تراجع سعر صرف العملات الخليجية، على سبيل المثال، أمام العملات العالمية ارتباطاً بانخفاض سعر صرف الدولار، أمامها، كان سيكون في صالح الدول الخليجية لو انها كانت تملك سلة واسعة من المنتجات الموجهة للتصدير ,
ولكن المعروف أن دول التعاون هي دول “مستورد صاف” لكل احتياجاتها السلعية الاستهلاكية والرأسمالية على السواء، ولذلك فإن ضعف العملة هنا له انعكاسات سلبية خطيرة على القوة الشرائية لمواطني دول المجلس الناجمة عن تراجع القوة الشرائية لعملاتها الوطنية (PPP) , وتعوض الحكومات الخليجية نزف النقاط الذي تتعرض له جراء تراجع سعر صرف الدولار المقومة به صفقات بيع النفط عن طريق ارتفاع سعر البرميل , بينما لا تتوفر للمواطن الخليجي مثل هذه الآلية الموازية لوقف نزف قوته الشرائية (جراء الارتفاع المتواتر في اسعار السلع والخدمات) ,
والحال ان عدد البلدان النامية التي تعاني اليوم من تذبذبات اسعار الصرف للعملات العالمية لا سيما تلك المرتبطة بالدولار، يزداد يوماً بعد يوم , ومثال على ذلك الصين التي اختارت منذ سنوات ربط عملتها بالدولار الأمريكي باعتباره العملة التي تمثل اقوى اقتصاد وأكبر عملة في العالم، وأكثرها تداولاً واستخداماً كعملة احتياط دولية , حيث أجبرتها سياستها النقدية الهادفة لدعم سياسة التوسع الاقتصادي الحكومية بواسطة التصدير والأخير لسعر صرف متدنٍ (عن قيمته الحقيقية) للعملة الوطنية (اليوان) أجبرت مصرفها المركزي على التدخل المستمر لشراء الدولار بغية المحافظة على سعر صرف “اليوان” التنافسي ,
وأدى ذلك الى فوائض متراكمة في الميزان التجاري ما اضطر السلطات لملاحقته واستيعابه بالتوسع في العرض النقدي الذي افضى بدوره الى زيادة الفائض التجاري على اعتبار ان هذه الاصدارات النقدية للبنك المركزي الصيني ليست لها علاقة بالاحتياجات النقدية للاقتصاد بقدر علاقتها بتوسع الفائض في ميزان مدفوعات البلاد , ولما كان هذا الفائض كبيراً منذ العام 2004 فإن البنك المركزي الصيني يصدر نقوداً أكثر من حاجة الاقتصاد اليها , وهو ما يقود الى عدد من اللاتوازنات الداخلية يأتي في مقدمتها النمو الزائد عن الحد للقروض البنكية في ظل عدم متانة النظام المصرفي (بما يُذكر بأزمة النظام المصرفي في اليابان في ثمانينات القرن الماضي)، وكذلك فيض الاستثمار في الأصول الثابتة , فكان ان تسبب اللاتوازن هذا بصورة مباشرة في مزيد من نمو الانتاج الصناعي، بما يفيض عن طاقة الامتصاص المحلية (الاستهلاك) ويؤدي الى تحويل فائض الانتاج الى التصدير , , وهذا الى مراكمة الفائض التجاري ,
حاولت الصين على مدى السنوات الثلاث الأخيرة للحد من نموها النقدي الكبير وذلك برفع سعر الفائدة أربع مرات، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لكبح عمليات الاقراض , والى ان يصل معدل الفائدة الى مستواه الكابح للاقتراض فإن ذلك سوف يفاقم أزمة الديون المعسرة والمعدومة لدى البنوك التي تعاني منها أصلاً , هذه هي مشكلة الصين الناتجة عن ربط عملتها بالدولار الأمريكي والتي يعتقد البعض ان حلها يكمن في التخلي عن سياسة التدرج في رفع سعر صرف اليوان والقيام برفع قيمته بنسبة %15 دفعة واحدة , ولكن لهذا القرار عواقب وخيمة على الصادرات الصينية وعلى الواردات بصورة أكبر، وعلى تدفق الاستثمارات بصورة أعظم، وفي المحصلة على معدل نمو الاقتصاد , مثال آخر على ورطة الدول بتنامي قوة عملتها الوطنية إزاء عملات الربط العالمية الرئيسية، تقدمه لنا تايلاند التي تتعرض عملتها لضغط صعودي جراء ضعف الدولار الأمريكي والين الياباني انعكس تأثيراً سلبياً في القطاع الخارجي وتحديدا الميزان التجاري خصوصاً وميزان المدفوعات عموماً، وتمثل في تراجع الصادرات السلعية والخدماتية وارتفاع قيمة الواردات، ما أدى الى انخفاض الايرادات الوطنية وتراجع الانتاج (من حيث تراجع الطلب على السلع التايلاندية بسبب ارتفاع الباهت) وارتفاع نسبة البطالة , وهذا يقود بدوره الى انخفاض الاستهلاك والانفاق الاستثماري نتيجة لتراجع الدخل الاسري وانخفاض ربحية قطاع الأعمال بما يزيد الضغط على الايرادات العامة والانتاج الوطني والاستهلاك ومؤشر البطالة ,
وضع العملات الخليجية اليوم (مع استثناء الدينار الكويتي) يشابه تقريباً وضع اليوان الصيني المربوط (بمرونة) بالدولار، من حيث تداوله بأقل من قيمته الحقيقية أمام الدولار المتراجع تباعاً ,
إلا أن الفارق ان الصين تتعمد حصول مثل هذا الفارق بين سعر الصرف الرسمي المتداول وبين سعر الصرف الحقيقي لليوان من أجل المحافظة على تنافسيتها التجارية باعتبارها دولة مصدرة رئيسية للسلع الرأسمالية والاستهلاكية الى الأسواق العالمية , بينما لا تستفيد بلدان الخليج العربية كثيرا من انخفاض سعر صرف عملاتها لأنها ليست دولاً مصدرة للسلع الاستهلاكية والرأسمالية ,
AlsayyadM@yahoo ,com
* باحث اقتصادي بحريني