الخليج - إعداد: أحمد بشير /
كتب عدد من المحللين والخبراء مؤخراً عن نية عدد من الدول التوصل لاتفاق فيما بينها لاختيار عملة أو سلة عملات تحل محل الدولار الأمريكي كعملة للمتاجرة بالنفط ولاحتياطيات الدول بالعملات الأجنبية العالمية . ولكن المحلل الاقتصادي البارز في صحيفة “فاينانشيال تايمز” اللندنية مارتن وولفار يرى أن ما كتبه البعض شائعات مبالغ فيها . وبينما يقر وولف بأن النظام النقدي العالمي القائم على الدولار، معيب، يقول إن الأفضل هو البدء بوضع ترتيبات بديلة . ويشير الكاتب إلى أن قيمة الدولار ارتفعت بنسبة 20 في المائة بين يوليو/ تموز 2008 ومارس/ آذار ،2009 ولكن الدولار فقد معظم مكاسبه منذ ذلك الوقت . ويرى وولف، بالتالي، أن تراجع الدولار من أعراض النجاح وليس الفشل .
يتساءل الكاتب عما إذا كان بالإمكان العثور على إشارات أعمق على أن العالم يتخلى عن الدولار . ويجيب بأن من الاشارات المحببة لدى الكثيرين سعر الذهب الذي ارتفع أربعة أضعاف منذ بدايات الألفية الثالثة (انظر الرسم البياني) . ولكن سعر الذهب مؤشر ملتبس لمخاطر التضخم اذ ان سعر الذهب وصل الى ذروته السابقة في يناير/ كانون الثاني 1980 وذلك قبل القضاء على التضخم بوقت قصير .
ويرى وولف أن ارتفاع أسعار الذهب يعكس الخوف وليس الحقيقة، ويقول إن هذا الخوف ليس مشتركاً على نطاق واسع .
ويوضح أن الحكومة الأمريكية تستطيع أن تقترض بنسبة فائدة قدرها 4،2 في المائة على مدى 30 عاماً وبنسبة 3،4 في المائة على مدى 10 سنوات . وخلال الأزمة، انهارت توقعات التضخم التي تدل عليها الثغرة في العائدات بين الأوراق المالية التقليدية والمحمية من التضخم .
وقد تحسنت تلك العائدات ولكنها لا تزال دون مستواها قبل الأزمة . ويؤكد أن الخطر الفوري في الولايات المتحدة والعالم يتمثل في الانكماش وليس التضخم .
ويرى وولف أن تصحيح الدولار ليس طبيعياً فقط بل إنه مفيد . فهذا التصحيح سيقلل خطر الانكماش في الولايات المتحدة وسيسهل تصحيح “اختلالات الميزان” العالمية التي ساعدت على التسبب في الأزمة . ويشير الكاتب الى أنه يتفق مع مقالة ستنشر لاحقاً كتبها فريد بيرجستن من معهد بيترسون للاقتصاد الدولي ويقول فيها: “إن تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية الهائلة على الولايات المتحدة سهلت فرط الرفع وتسعير المخاطر بأقل من قيمتها” . ويقول إن الذين يشككون في هذا القول يوافقون على ان الولايات المتحدة بحاجة الى نمو يستند الى التصدير .
ويتساءل الكاتب أخيراً عما يكون ان يحل محل الدولار . ويقول إنه ما لم، والى أن، تتخلص الصين من القيود الخاصة بأسعار الصرف وتطور أسواقاً مالية عميقة وسائلة، وربما بعد جيل من الآن، فإن اليورو سيظل المنافس القوي الوحيد للدولار .
وفي الوقت الحاضر، تمثل الاحتياطيات العالمية المحفوظة بالدولار 65 في المائة من الإجمالي، بينما تشكل الاحتياطيات العالمية المحفوظة باليورو 25 في المائة من الإجمالي .
ويقر الكاتب أن تحولات قد تحدث ولكنه يقول إنها ستكون بطيئة على الأرجح . ويضيف ان منطقة اليورو تعاني أيضاً من عجوزات مالية وديون هائلة . ويوضح ان الدولار سيبقى لمدة 30 عاماً من الآن في حين ان مصير اليورو غير مؤكد .
ويرى وولف أن هذا الرأي ربما انطوى على أكثر مما ينبغي من الرضا الذاتي .
ويقول إن خطر انهيار الدولار محدود وان احتمال استبداله بعملة أخرى محدود بدرجة أكبر بيد أنه يوضح ان نظاماً نقدياً عالمياً يستند الى عملة دولة واحدة هو نظام مسبب للمشكلات سواء للجهة التي تصدره أو الجهات التي تستخدمه . وتزداد أيضاً المخاطر ولا سيما منذ ظهور “بريتون وودز 2” بالنسبة لممارسة إدارة أسعار الصرف مقابل الدولار .
وخلال ستينات القرن العشرين، قال الخبير الاقتصادي البلجيكي الأمريكي، روبرت تريفين، إن نظاماً نقدياً عالمياً يستند الى الدولار ينطوي على عيب هو: ان السيولة الزائدة التي يسعى إليها العالم تتطلب عجوزات حساب جارٍ في الولايات المتحدة . ولكن، وعاجلاً أو آجلاً، سيؤدي تجاوز العرض للطلب في المطلوبات النقدية الى تقويض الثقة بالعملة الرئيسة . ويؤكد وولف أن هذا الرأي المعروف باسم “معضلة تريفين” انطوى على حسن بصيرة إذ ان نظام بريتون وودز انهار في عام 1971 .
وبشكل محدد، يرى وولف أن الاحتياطيات يمكن إنشاؤها في حال اقترضت دولة العملة الرئيسية على المدى القصير فقط وأقرضت للمدى الطويل . ولكن، ومن الناحية العملية، أدى الطلب على الاحتياطيات الى إحداث عجوزات حساب جار في الدولة المصدرة .
ويشير الكاتب إلى أن تكديس الاحتياطيات في نظام أسعار صرف عائمة يجب أن يكون غير ضروري . ولكن، وبعد الأزمات المالية خلال تسعينات القرن الماضي، قررت الدول الصاعدة أنها بحاجة الى انتهاج نمو قائم على التصدير وتأمين أنفسها ضد الأزمات . وكنتيجة مباشرة، تكدست ثلاثة أرباع احتياطيات العالم من العملات خلال هذا العقد فقط .
ومع ذلك، يهدد هذا السعي لتحقيق الاستقرار بالتسبب في حالة عدم استقرار طويلة الأجل . ولا جدال في ان صناع السياسة الصينيين قلقون بشأن الخطر الذي يهدد أرصدتهم الدولارية الضخمة . وربما ردد صناع السياسة الأمريكيون مقولة “الدولار القوي” .
ولكن الكاتب يرى أن هذا تطلع دون أداة . ويشير الى ان السياسة ذات الصلة يعدها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الذي لا يملك تفويضاً للمحافظة على قيمة الدولار الخارجية .
ويرى وولف أن الطريقة الوحيدة التي يستطيع صناع السياسة الصينيون من خلالها المحافظة على القيمة المحلية للأرصدة الخارجية هي دعم الدولار بلا حدود وهو أمر يعرض استقرار الصين النقدي الداخلي للخطر وستتأكد في خاتمة المطاف حقيقة كونه نظاماً مسبباً للهزمية الذاتية .
ويقول الكاتب إن المخاوف الواسعة النطاق حول الاستقرار النقدي الأمريكي تلتقي بالدور الخارجي للدولار . ويرى أن التوصية المعيارية بشأن تلك المخاوف تتمثل في المحافظة على استقلال مجلس الاحتياطي الفيدرالي وضمان الملاءة المالية طويلة الأجل . ويرى أنه في حال زاد الخوف من احتمال أن يكون أياً من هذا الاستقلال أو ضمان الملاءة أو كليهما في خطر، فربما وقعت أزمة . ويضيف بأن الدولار قد ينخفض وترتفع أسعار الفائدة طويلة الأجل . ويوضح أنه في حال حدوث مثل هذه الأزمة، يُخشى من أن يضطر مجلس احتياطي فيدرالي أقل استقلالاً الى شراء الدين العام، الأمر الذي سيسرع الفرار من الدولار .
ويرى الكاتب بالتالي أن الشرطين المسبقين الأساسيين لاستقرار طويل الأجل هما وجود مصرف مركزي مستقل وملاءة فيدرالية، وكلاهما يبدو تحت السيطرة في الولايات المتحدة .
ولكن وولف يعود ويؤكد أن هذا تبسيط أكثر من اللازم . فغالبية المحللين تفترض ان الوضع المالي الأمريكي يمكن تحديده بمعزل عن القرارات المتخذة في المناطق الأخرى . ولكن، وفي حال أراد القطاع الخاص ان يبيع ممتلكاته على مدى فترة طويلة (وأن ينفق بالتالي بنسبة تقل كثيراً عن دخله)، بينما يرغب بقية العالم في تكديس أصول مقيّمة بالدولار كاحتياطيات، ستبرز الحكومة الأمريكية باعتبارها المقترض الوحيد الباقي .
ويوضح وولف في خاتمة مقالته انه يصل بطريقة مختلفة الى النتيجة ذاتها التي توصل اليها بيرجستن، وهي ان الدور العالمي للدولار ليس في مصلحة الولايات المتحدة . وان الدافع للانتقال لنظام مختلف قوي للغاية . وليس هذا لأن دور الدولار مهدد الآن بل لأنه يضعف الاستقرار الداخلي والعالمي . وقد آن الأوان لإيجاد البديل .
تم إضافته يوم الأحد 03/01/2010 م - الموافق 17-1-1431 هـ الساعة 2:55 صباحاً