قواعد سعر الصرف تمثل أهمية كبيرة في النظام النقدي العالمي، خاصة وأنه يقوم على عاملين رئيسيين، التحويلات النقدية التي يتم تبادلها بين الدولة والخارج ثمناً لقيمة السلع والخدمات التي تنتقل بينهما،
وسعر الصرف الذي تجري به هذه التحويلات النقدية، وبالتالي فإن عدم تقديره على أسس سليمة يؤدي إلى اعتصار أصول الدولة لصالح دول أخرى، والعكس صحيح.
وبفرض أن سعر صرف اليوان الصيني بالنسبة للدولار والعملات الأجنبية الأخرى مقدراً بأقل من قيمته الحقيقية، وهو ما يقوله صندوق النقد الدولي وما تذكره دائماً الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية،
فإن ذلك يؤدي إلى انخفاض أسعار السلع والخدمات الصينية التي تصدرها الصين إلى مختلف دول العالم، فتزيد الصادرات الصينية وتغزو الدول الأجنبية حيث تتفوق في السعر على الأسعار المحلية التي تباع بها المنتجات الوطنية،
وهو ما يؤدي أيضاً إلى عجز في ميزان مدفوعات الدول التي تستورد بكثرة من الصين من ناحية، وإلى إغلاق وتجميد بعض المصانع المحلية التي تنتج سلع مثيلة للمنتجات الصينية من ناحية أخرى، فتزيد البطالة وينخفض الإنتاج المحلي الذي يعتبر الأساس في معالجة المشاكل الاقتصادية المحلية.
من هنا تبدو أهمية تحديد سعر صرف واقعي وسليم للعملات المحلية، وبشكل يؤدي إلى انتظام مسيرة النظام النقدي العالمي الذي يقوم صندوق النقد الدولي بتنفيذه على الصعيد العالمي،
حيث يقوم خبراؤه بزيارات ميدانية دورية إلى مختلف الدول الأعضاء للتأكد من سلامة سعر الصرف بالنسبة للدولة وبالنسبة أيضاً للدول الأخرى التي يتم التعامل معها استيرادا وتصديراً،
وهو ما أدى إلى قيام صندوق النقد الدولي خلال شهر يونيو الماضي بالإعلان عن تعديلات لمراقبة وتغيير نظام الإشراف على سعر الصرف والتي تتيح للصندوق التدخل في سياسات بعض الدول المتعلقة بسوق الصرف المحلي وتحركات سعر العملات المحلية مقابل العملات الأجنبية،
غير أن هذه التعديلات مازالت محل اعتراض بعض الدول ومنها الإمارات والكويت وسلطنة عمان ولبنان وسوريا ومصر واليمن. وتمت هذه التعديلات «التي لم تعتمد بعد» بالمخالفة لما نصت عليه المادة الرابعة «البند 3« من اتفاقية الصندوق التي تنص على «أن يتجنب الصندوق التدخل في أسعار الصرف أو في النظام النقدي العالمي
من أجل إعاقة التصحيح الفعال في موازين المدفوعات، أو لكسب ميزة تنافسية غير عادلة تجاه سائر الدول الأخرى« ولكن كان الصندوق يخشى من تجربة الأحداث النقدية التي أثرت على النظام النقدي السابق تطبيقه قبل الحرب العالمية الثانية والتي نتجت عن تحديد سعر الفرنك الفرنسي بأكثر من قيمته الحقيقية
وعلى أساس أن الفرنك الفرنسي في ذلك الوقت كان واسع الانتشار في التعامل داخل مناطق عديدة من العالم في مقدمتها الدول الأفريقية التي كانت فيما سبق تحت الحكم الفرنسي والتي يسمونها في الوقت الحالي دول الفرانكفون، وهو ما أدى إلى انهيار النظام النقدي العالمي في ذلك الوقت.
من هنا تعرضت اتفاقية صندوق النقد الدولي لسعر الصرف في أكثر من موقع بداخلها، فبدأت بالبند الثالث من المادة الأولى التي عرضت أهداف الصندوق في ستة بنود حيث ذكر البند الثالث منها «ضرورة العمل على تحقيق الاستقرار في أسعار الصرف والمحافظة على ترتيبات صرف منتظمة بين الدول الأعضاء وتجنب التحقيق الناشئ في قيم العملات«، كما تعرضت المادة الرابعة إلى التزامات الأعضاء تجاه سعر الصرف.
وتضمنت المادة الرابعة من اتفاقية الصندوق المعدلة في مجال أسعار الصرف نصوصاً جديدة مختلفة تماماً في مضمونها على القواعد السابقة قبل التعديل، وكانت أهم هذه القواعد والتي يحق للأعضاء اتباعها في تحديد سعر صرف عملاتهم المحلية ما يلي:
ـ حفظ العضو على قيمة عملته محددة بوحدات حقوق السحب الخاصة.
ـ ترتيبات تعاونية في ظلها يبقى الأعضاء قيمة محددة لعملاتهم بالمقارنة بقيمة عملة أو عملات أعضاء آخرين.
ـ أية ترتيبات صرف أخرى يختارها العضو.
ويمكن للصندوق بأغلبية 85 في المائة من مجموع القوى التصويتية، أن يضع نصاً لترتيبات الصرف العامة دون الحد من حق الأعضاء في أن يكون لهم ترتيبات صرف يختارونها طالما تتماشى مع أغراض الصندوق والتزامات الأعضاء. وأعطى القسم الثالث من هذه المادة دوراً كبيراً للصندوق في مراقبة ترتيبات الصرف التي يضعها الأعضاء فنص على ما يلي:
أ ـ يتولى الصندوق مراقبة النظام النقدي العالمي للتأكد من سيره بفاعلية كما يتولى الصندوق مراقبة امتثال الأعضاء لالتزاماتهم العامة.
ب ـ وفي سبيل تحقيق ذلك يمارس الصندوق مراقبة حازمة على سياسات أسعار الصرف للأعضاء، كما يضع مبادئ محددة لإرشاد جميع الأعضاء بشان هذه السياسات ويقوم كل عضو بتزويد الصندوق بالمعلومات اللازمة لإنجاز هذه المراقبة.
كما يتشاور العضو مع الصندوق إذا ما طلب الصندوق ذلك فيما يخص سياسة أسعار الصرف لدي العضو. وبالنسبة للمبادئ التي يتبناها الصندوق. فيجب أن تكون متفقة مع الترتيبات التعاونية والتي في ظلها يحافظ على قيمة عملته بالمقارنة مع قيمة عملة أو عملات الأعضاء الآخرين،
وعلى أن تكون متفقة مع أية ترتيبات صرف أخرى يختارها العضو مادامت لا تتعارض مع أغراض الصندوق والتزامات الأعضاء، وعلى هذه المبادئ أن تحترم سياسة الأعضاء الاجتماعية والسياسة المحلية، وفي تطبيقه لهذه المبادئ يأخذ الصندوق بعين الاعتبار الظروف الخاصة للدول الأعضاء.
وفيما يتعلق بأسعار التعادل التي ألغيت تماماً في التعديلات الجديدة فقد نص القسم الرابع على أنه يمكن للصندوق بأغلبية 85% من مجموع القوى التصويتية أن يقرر بأن الأوضاع الدولية الاقتصادية تسمح بإدخال نظام ترتيبات صرف شاملة يستند إلى أسعار تعادل مستقرة وقابلة للتعديل،
وعلى الصندوق أن يجعل قراره مستنداً إلى الاستقرار الضمني في الاقتصاد العالمي، ولهذا الهدف يأخذ الصندوق بعين الاعتبار حركات الأسعار ومعدلات التوسع في اقتصاديات الدول الأعضاء ويجب أن يكون هذا القرار متخذاً في ضوء تطوير النظام النقدي العالمي مع اهتمام خاص بمصادر السيولة الدولية.
وبالإضافة إلى التعديلات التي استحدثتها اتفاقية صندوق النقد الدولي والمنصوص عليها تفصيلاً في المادة الرابعة السابق الإشارة إليها، فقد تضمن التعديل الثاني لاتفاقية الصندوق تخفيض دور الذهب في النظام النقدي وإلغائه كأساس لتحديد أسعار الصرف والتوسع في استخدام حقوق السحب الخاصة به
كأصول في الاحتياطيات النقدية الدولية والتوسع في عمليات تسهيلات الصندوق مع الدول الأعضاء وإمكان إنشاء مجلس يتكون من محافظي الصندوق وبعض الوزراء أو الشخصيات ذات الوزن في المجال الدولي بالإضافة إلى بعض التنظيمات الإدارية المتعلقة بالصندوق.
ولكل عضو في الصندوق الحق في تحديد القيمة المناسبة لعملته بالنسبة لعملات الدول الأخرى وله الحق أيضاً في إعلان النظام المناسب لسعر الصرف وما إذا كان يرغب في التعويم الحر، أو التعويم المدار، أو الربط بسلة من حقوق السحب الخاصة، أو الربط بسلة خاصة يحددها العضو، أو الربط بعملة رئيسية كالدولار الأميركي أو أي عملة أخرى يختارها العضو.
على أن الربط بالدولار بعد انخفاضه بحوالي الثلث خلال الخمس سنوات الأخيرة أصبح يتطلب تعديلاً في سعر الصرف لكل العملات التي ترتبط به، لأن التخفيض الكبير الذي حدث للدولار الأميركي خلال السنوات الأخيرة يرجع أولاً وأخيراً لظروف اقتصادية وربما سياسية أيضاً تخص الولايات المتحدة الأميركية وحدها،
وهذه الظروف تبتعد تماماً عن الدول التي تربط عملاتها بها وبالتالي فإن استمرار ربط سعر الصرف لهذه العملات مع الدولار وبالسعر نفسه الذي كان عليه قبل التخفيض الكبير للدولار يعني خسائر ضخمة لهذه الدول دون مبرر مقبول لا من الناحية الاقتصادية أو السياسية ولا حتى الاجتماعية.
لذلك آن الأوان لتعديل سعر صرف عملات الدول التي تربط عملاتها بالدولار منذ بداية التخفيض، وذلك إما بإعلان رفع سعر صرف هذه العملات بما يتفق مع قيمة التخفيض الحقيقي للدولار، أو بالخروج عن الربط به وإعلان الربط بسلة من العملات الرئيسية التي يختارها العضو،
أو التعويم بالشكل الذي يرغب فيه العضو، علماً بأن نصوص اتفاقية صندوق النقد الدولي تسمح للدول الأعضاء بتحديد سعر صرف عملاتهم المحلية دون أي تدخل منه حسب ظروف كل دولة وخاصة أن التعديلات الجديدة التي تقررت في يونيو الماضي لم تعتمد بعد وقد لا تعتمد مطلقاً.