لا يمكن إنكار ما يؤكد عليه المسؤولون في مجلس المعايير الدولية للمحاسبة من “ان التطور السريع للاسواق المالية العالمية يتطلب الآن اتساقا دوليا في المعايير المحاسبية واساليب التدقيق”، وصحيح أيضا ما يشير إليه دعاة المعايير الدولية من أنه في عصر اتساع الاستثمارات الدولية وانتشارها،
وتقديم التقارير المالية عبر شبكة الانترنت، تتضح الحاجة الى لغة مالية مشتركة في جميع ارجاء العالم والى اطار دولي لاعداد التقارير المالية، كل ذلك صحيح، لكن الحرص على سلامة مهنة المحاسبة قد يدعو إلى التساؤل حول مدى اقتراب المعايير الدولية للمحاسبة واعداد التقارير المالية حاليا من مستوى التوحيد المحاسبي ودرجة تمثيلها لتلك اللغة المالية المشتركة التي يطمح إليها المحاسبون.
إن الناظر إلى القواعد “المعايير” الدولية للمحاسبة وإعداد التقارير المالية قد يجد فيها جانبا من العلة التي تقعد بتلك القواعد أو المعايير الدولية أن تمثل نظاما دوليا للمحاسبة يمكن أن يتبع على الصعيد العالمي، فالمعايير الدولية الحالية قد تمثل كما سبق وأشرنا موسوعة محاسبية تفيد الباحثين أكثر منها قواعد أساسية تمثل لغة واحدة يستخدمها المطبقون، كما يبدو معظم ما يعرض فيها ملبيا لحاجات السوق لا معبرا عن قواعد علمية، إضافة إلى انها لا تتخذ، من حيث الشكل والأسلوب، مظهر الأنظمة والقواعد.
موسوعة وليست نظاما: من المعروف أن الأنظمة أو القواعد واجبة الاتباع، تعتمد التعبير الموجز عن قواعدها وموادها، وتتجنب أسلوب البحث والدراسة والتفسير الذي يترك للوائح تفسيرية أو لإصدارات اخرى تأتي في ملاحق تلحق بالأنظمة وبالقواعد أو القوانين.
في حين اتت القواعد أو المعايير الدولية للمحاسبة بمئات من الصفحات فيها إطار عام لا يمكن اعتباره ملخصا لأحكامها ولا يغني عنها، وفيها معايير أو قواعد تضمنت من الشرح والتفنيد وعرض الحالات ما يقود إلى التشتت بدلا من التوحيد في التطبيقات المحاسبية المعروضة، تلته مئات الصفحات من تفسيرات للمعايير تضيف المزيد من الاغراق في التفصيل الذي يتعارض مع اتجاهات التوحيد المحاسبي، لذلك فإن الأقرب للواقع أن نقول لقد أتت القواعد الدولية للمحاسبة على شكل موسوعة محاسبية استعرضت فيها كافة الامكانات والتطبيقات المحاسبية القائمة والمحتملة مما يجعلها عظيمة الفائدة لدراسات وبحوث أصحاب الاختصاص العالي في المحاسبة وللمنتسبين للدراسات العليا المتخصصة فيها، إنها جهد علمي كبير لكنها، فيما نرى، لا يمكن أن تكون أو أن تمثل قواعد يمكن تطبيقها على نحو موحد على الصعيد العالمي (إنها موسوعة محاسبية لا قواعد يمكن اتباعها).
من حيث الشكل والأسلوب: يمارس مجلس المعايير الدولية للمحاسبة وهو هيئة مستقلة أحدثت لوضع قواعد للمحاسبة يمكن تطبيقها على الصعيد العالمي (مكملا منذ 4/2001 مهام لجنة المعايير الدولية للمحاسبة المشكلة منذ 1973) واللجان المنبثقة عنه مهمة وضع ومراجعة وتعديل القواعد أو المعايير الدولية للمحاسبة، ويتم ذلك في الغالب مع الاحتفاظ برقم المعيار المعدل بحيث أدى ذلك إلى عدم اتساق تسلسل المعايير إلى جانب عدم اعتمادها تصنيفا منهجيا موضوعيا محددا لتأخذ الشكل المعهود للقواعد أو الأنظمة المحاسبية التي تمثل دليلا يمكن الرجوع إليه بسهولة من قبل المختص أو من قبل مستخدم البيانات المالية والمحاسبية.
وقد افتقدت المعايير بذلك ترتيبها المعتمد على تسلسلها في الاعداد بعد أن تم حذف بعض المعايير مع الأرقام التي اعطيت لها، لذلك فإن اعادة ترتيبها يصبح مطلبا ضروريا، فإذا اتخذت إعادة الترتيب نهج العرض الموضوعي أي تجميع وعرض المعايير مرتبة حسب موضوعاتها لكان في ذلك تسهيل على القارئ في تحري المعايير والعودة إليها وفي تقريبها من الفهم عندما تعرض أحكامها المتعلقة بذات الموضوع على نحو متوال.
معايير محاسبية أم معايير “للسوق”: يلاحظ ضعف تمثيل مهنة المحاسبة بالذات في مجلس أوصياء المعايير الدولية للمحاسبة (خمسة من تسعة عشر وصيا) وفي لجانها المتخصصة بالتحضير والتفسير، كما يلاحظ طغيان وأولوية هدف (مساعدة المشاركين في أسواق رأس المال العالمية) على الأهداف المتعددة التي كانت تفخر المحاسبة بتلبيتها لكافة مستخدميها في اتخاذ القرارات الاقتصادية المختلفة وفي ممارسة مهام الادارة من تخطيط وتنفيذ ومتابعة ورقابة وتقييم للأداء، فقد تضمن الهدف الأول (والرئيسي) من أهداف لجنة المعايير الدولية للمحاسبة: “تطوير مجموعة موحدة من المعايير المحاسبية.. لتوفير معلومات ذات جودة عالية وشفافية وقابلية للمقارنة في البيانات المالية لمساعدة المشاركين في أسواق رأس المال العالمية والمستخدمين الآخرين في صنع القرارات الاقتصادية”.
وربما وقع التجني هنا على بعض المبادئ المحاسبية المتعارف عليها لصالح مستخدمي البيانات من (المشاركين في أسواق رأس المال العالمية) مما يقتضي ضرورة إعادة النظر في المعايير الدولية في عملية فك ارتباط يكون عمادها أن تحتفظ المحاسبة بإعداد البيانات والتقارير المالية حسب ما هو معهود في مبادئها المتعارف عليها (أو المقبولة قبولا عاما) من حيطة وتحفظ أو حذر، على أن تضيف في عرضها ما تتطلبه عملية التحليل المالي (الأساسي خاصة) من معلومات وبيانات.
لذلك أرجو كل من عاتبني أن يوافقني الرأي في أن محاولات تبني المعايير الدولية على الشكل التي تبدو عليه ربما لن تصل إلى نتيجة ما لم يعد النظر في تلك المعايير قصد تنظيمها أي جعلها على صورة نظام محاسبي دولي بقواعد موجزة معبرة ترسي مبادئ عامة، يمكن تبنيها وتطبيقها على الصعيد الدولي، ويبدو من الأجدى في هذا المجال التركيز على منطلقات نظرية المحاسبة الممثلة في المبادئ المتفق عليها أو المقبولة قبولا عاما، وتلبية متطلبات التحليل النزيه في “أسواق المال” ما أمكن بتخصيص ملاحق أو تفاسير أو بيانات مضافة إلى التقارير المالية.