لا ينكر أحد حرية المرء في اختيار شريك الحياة، وفقاً للظروف والأحوال والتقارب الثقافي ومختلف المعايير الشخصية الأخرى، فهذا مما اتفقت عليه الشرائع والأعراف ولا يحاربه إلا متعنت، إلا أن هذه القضية تصطدم بحدود لا يختلف عليها أحد أيضاً، حين تتجاوز المسألة إطار الذاتية لتلامس الهم الوطني وأمانة المجتمع والأجيال والهوية الوطنية. وتنجم حساسية هذه القضية من تداخل معايير التناول فيها ما بين الذاتي والمجتمعي، واختلاف وجهات النظر عند التعامل معها تبعاً لمعطيات من يريد الخوض فيها.
ولا شك أن القول بحرية الاختيار بين الزوجين مبدأ إنساني مطلق، لا يمكن انتقاصه ولا سلبه من أي أحد، ما دام يدور في فلك تحقيق الاستقرار الأسري وهو ما قام من أجله، وما دام يعتمد أساساً من تكافؤ الطرفين لتحقيق أعلى درجات التوازن في الحياة العائلية، إلا أن هذه الحرية إذا تمت ممارستها دون قيود، قد تغدو معول هدم اجتماعي يحطم الهوية، وينذر بالذوبان الثقافي وضياع ملامح وأصالة مجتمعنا الذي ننتمي إليه.
والذي يدفعنا إلى طرق مثل هذا الموضوع، ما صدمتنا وتصدمنا به الإحصائيات السكانية والأسرية وحالات الزواج، وليس آخرها ما تناقلته الصحف من أن نسبة عقود زواج المواطنين بغير المواطنات بلغت أكثر من 30 في المئة، مقارنة بإجمالي عقود الزواج خلال النصف الأول من العام الجاري، حسب الإحصاءات الرسميّة الصادرة عن «مركز الإحصاء» في دبي.
فالقضية وفق هذه الإحصائيات لم تعد في خانة الحرية الشخصية المطلقة من أي قيود، بل أصبحت بلا شك حرباً على الهوية الوطنية وتهديداً محتماً لتماسكها، سواء اعترفنا بذلك أم لم نعترف!
وحتى نكون موضوعيين في تناولنا لظاهرة الزواج من الأجنبيات واستفحالها في مجتمعنا الإماراتي، لا بد أن ننظر إليها من جميع أطرافها، لسبر الأسباب والدوافع المعززة لانتشارها والسعي لتقليلها وتقييدها، وملاحقة الموانع الاجتماعية التي تحول دون الاقتران بالمواطنة، ومحاولة تذليلها بتكاتف جميع الأطراف المتصلة من قريب أو بعيد بهذه المسألة.
فلا ننكر أن الطفرة الحضارية ورفاهية العيش التي تنعم بها بلادنا، ذللت عقبات التواصل الاجتماعي بين أبناء الوطن ومختلف الجنسيات الأخرى، فسهلت من إمكانية الاقتران بغير المواطنات دون أن تكون هناك موانع تنذر بخطر اجتماعي، لا سيما وأن الكثيرين من ميسوري الحال يرتبطون بزوجة ثانية غير مواطنة في غياب الرقيب الاجتماعي.
ومما ساعد على تعزيز هذا الاتجاه، لا سيما في صفوف الشباب، الرغبة في الخروج عن المألوف التقليدي، والدخول في تجارب حياتية أفرزتها ضرورات الدراسة في الخارج، أو السفر للعمل والاغتراب عند البعض والتعرف إلى الثقافات الجديدة، وربما الانبهار بها أحياناً على حساب ثقافة الوطن، ثم ما يجدونه من ظاهرة غلاء المهور الذي يدفعهم دفعاً في اتجاه الزواج من الأجنبيات، لسهولة إجراءات الزواج وبعدها عن التكاليف المادية التي يتحمل المجتمع بأكمله جزءاً كبيراً من شيوع تكاليفها المعنوية.
وحين نقول إن الزواج من الأجنبيات تهديد لتماسك المجتمع وهدم لهويته، لا نستند إلى فورة عاطفية، بل نعتمد على قراءات وإحصائيات أصحاب الشأن من المتخصصين الاجتماعيين في هذا المجال، ولا أدل على ذلك من الدراسة الحديثة التي قدمها مركز الرعاية الاجتماعية في الشارقة، والتي أظهرت أن 60؟
من الأحداث المنحرفين، أبناء مواطنين كبار في السن تزوجوا بآسيويات صغيرات السن، الأمر الذي خلق تضارباً بين الزوج والزوجة ناشئاً عن اختلاف الدين أو الثقافة، أو العادات والتقاليد، وكما هو معلوم فإن الأولاد بطبيعتهم أقرب للتأثر بأمهاتهم، أياً كانت درجة اختلافهن عن نسيج المجتمع الذي يعيشون فيه، بل الأخطر من ذلك هو تشتت الولاءات في نفسية الشاب بين ثقافة أبيه وأمه، مما يجعله في أحسن الأحوال غير مبالٍ بأي من تبعات هاتين الثقافتين، وغير حريص على عدم تجاوز حدودهما الاجتماعية، وهنا تنشأ انفصامية الجيل مزدوج التفكير والانتماء، مشتت الهوية، بعيداً عن عُرف الوطن الأم الذي ولد فيه، والذي يحمل جواز سفره!
هذه التبعات الاجتماعية ربما لا يدرك خطورتها الشاب المقبل على الزواج من أجنبية، إذا كانت زاوية النظر عنده لا تتجاوز نطاق الرغبات الشخصية القريبة، والحرية في الاختيار، إلا أنها تحمل القدر الكبير من الضرر الاجتماعي عند النظر إليها في عمق الأجيال وامتداد نسيج المجتمع ككل، عندها لا بد من وضع اليد على العبث بهوية المجتمع وأمانة أجياله، وإعادة الأمور إلى نصابها قبل أن نتفاجأ بطوفان الذوبان وتلاشي الهوية.
وقبل ذلك وبعده، يبقى أن نقول لكل مواطن غيور على هوية وطنه فخور بأصالته، عزيز عليه ما تركه الآباء والمؤسسون من إرث وطني عظيم، أن ينظر بصدق إلى معادلة الحرية الشخصية من منظار آخر لا تنتهي فيه حريته عندما تصطدم بحرية الآخرين، بل يكون ميزان توازنها يحتم عليها أن تنتهي عندما يبدأ المساس بشيء أعظم من الحرية الشخصية، ألا وهو الهوية الوطنية.