. . ركبوا سيارة الضيافة ومعهم الضيف العماني إلى المطار الأميري غب أبوظبي، حرصوا على أن يكونوا قبل نحو ربع ساعة من الموعد المقرر لسفره، واستعدوا لوداعه، ليسمعوا أن سمو الشيخ محمد بن زايد سيصل بعد لحظات لوداع الضيف . شعروا بالورطة عندما جلس الشيخ وضيفه والتفت سموه يميناً، ركض مسؤول التشريفات وزميله بسرعة، لقد ظنوا أن الضيف سيركب طائرته، لا وقت لديه لأمر آخر، لهذا لم يفكروا في الضيافة، لا قهوة ولا عصير ولا شيء، بحثوا في كل اتجاه ولم يجدوا أحداً يسعفهم بدلّة، أسرعوا إلى السوق الحرة، دبروا العصير، واستلفوا القهوة من عند أحد الحراس، في لحظة كانت القهوة دايرة، ربك ستر ومرت بسلام . توجه الضيف ليركب طائرته . هنا انتهت مهمة صاحبنا ورفيقه، ركبا سيارة الضيافة وكلهم فرح أن مر هذا المأزق من دون أن يشعر به أحد، دون عواقب .
يقول الصاحب: فتحنا نوافذ السيارة في ذلك المساء الشتوي البارد، وسرنا متجهين إلى بيوتنا داخل مدينة أبوظبي، لنفاجأ ونحن في شارع المطار بسيارة خلفنا تؤشر لنا بأضوائها أن نتوقف، خفنا- طبعاً، لأننا نعرف هذه السيارة جيداً، على بعد خطوات منا كانت محطة بترول، أعطينا إشارة الالتفاف، توقفنا لأقفز من السيارة وأتوقف أمام سيدي سمو الشيخ محمد بن زايد، فهو الذي كان يطلب منا التوقف، بعد أن تعرّف إلى سيارة الضيافة . سألنا: هل سافر الضيف؟ أجبنا بصوت واحد نعم يا سيدي . رد علينا: هل أنتم متأكدون من ذلك؟
قال صاحبي إجابة هذا السؤال لم تكن حاضرة عندنا، فلم نتوقع مثل هذا الاستفسار، ولا نعرف له إجابة . قال سموه: ينبغي ألا تتركوا ضيفكم، حتى يركب طائرته ويسافر، فقد يحدث أي طارئ في أية لحظة، تأكدوا في المرة القادمة أن الضيف قد غادر فعلياً، لا تتحركوا حتى تشاهدوا طائرته وقد حلّقت في الجو .
درس لم أنسه طوال حياتي، يقول ذلك الصاحب، لم أطبقه فقط في وظيفتي التي غيرتها بعد سنوات، ولكن في كل شؤون حياتي: عليكم بالدقة في كل شيء، وإتمام العمل .
لكن ذلك الموقف لم يكن الوحيد الذي لا ينساه مسؤول التشريفات عن الفترة التي عمل فيها بهذه المهنة، يذكر أنه تعرض لمواقف غريبة، بعضها مضحك وبعضها محزن، مع الوفود التي كانت تصل إلى الدولة في مرحلة الثمانينات، وسيبدأ تدوينها لغرائبيتها عساها تصدر في كتاب مستقبلاً .
في الثمانينات لم تكن الضيافة والتشريفات كما هي اليوم-يقول، كنا نستقبل الضيوف ونركبهم السيارات المخصصة لهم، ونسكنهم الفندق ونتحرك معهم، ونبتسم لهم ونحاول أن نلبي طلباتهم، وفي النهاية نوصلهم المطار ونودعهم، وكنا متقدمين في هذا المجال عندما نقارن أنفسنا بزملائنا الخليجيين والعرب الذين يعملون في هذا الحقل ونلتقيهم هنا مع ضيوفنا أو عندما نزور دولهم . لكن اليوم الوضع تغير كثيراً إلى الأفضل طبعاً، لقد حدث تثوير وتطوير جذري في طبيعة ومهام هذه الوظيفة، مثلما هو التغيير والتطوير الذي شمل مختلف الأعمال والوظائف، أصبحت التشريفات والضيافة دراسة ودورات تدريبية ومهارات ومنهجيات، فيها أدوار وتخصصات ومهارات وتقارير كفاءة .
في الماضي كنا متطورين، واليوم نحن أكثر تطوراً، والأهم أن مشروع التطوير والتحديث المستمر لكي نكون الأفضل دائماً والذي تتبناه القيادة هو مشروع استثماري في إنسان هذا الوطن . هو الذي سيقود الضيافة ويقوم بمهمة التشريفات، هو الموظف وهو المدير، هو الذي سيقود العمل، هو الوطن وهو المستقبل .