بقلم - جيف سينغر
غالباً ما تتباطأ وتيرة الحياة في مختلف نواحيها خلال فصل الصيف، إذ يتمهل الناس في كل شيء نتيجةً لأشعة الشمس الحارة . ولا يقتصر هذا على الأشخاص فحسب، بل إنه يسري أيضاً على عالم الأعمال، حيث يقل عدد المشاريع الجديدة ويأخذ الموظفون إجازاتهم ويؤجلون اتخاذ القرارات . ونظراً لتزامنه مع شهر رمضان، ساهم فصل الصيف هذا العام في تراجع مكانة الأعمال على جدول النشاطات اليومية، ليتقدم عليها أنشطة أخرى، مثل تخصيص مزيد من الوقت للحياة الأسرية والاسترخاء والتأمل .
وعليه، ليس بالمفاجئ تباطؤ التداول في أسواق الأسهم في الإمارات العربية المتحدة خلال الأسابيع الماضية . فمع ارتفاع درجات الحرارة، انخفض حجم التداول . إلا أن أسباب هذا الاتجاه النزولي ليست موسمية بشكل كامل، إذ إن هذا التراجع مستمر منذ ما يقرب من عامين، وهو يعكس بعضاً من الحقائق الرئيسية حول أسواق المال في البلاد، والتي تبدو اليوم أوضح بكثير من الماضي .
وبالنظر للأرقام، تبدو الصورة غير مشرقة، حيث إن قيمة الأسهم التي تم تداولها في دولة الإمارات خلال الأشهر الستة الأولى من العام الحالي قد تراجعت بنسبة 43% عن الفترة ذاتها من عام ،2009 وبنسبة 81% مقارنة بالنصف الأول من عام ،2008 ويعتبر هذا الأداء أضعف بكثير من أداء أسواق الأسهم العالمية، ولا تقتصر تداعياته السلبية على شركات الوساطة في دولة الإمارات، والتي قام 12 منها بتقديم طلبات رسمية لوقف عملياتها هذا العام، فمن شأنه أيضاً إلحاق الضرر ببنية أسواق المال في البلاد .
إن انخفاض حجم التداول يجعل من الصعب تقييم الأسهم بدقة، كما أنه يعيق قيام الشركات بطرح أسهمها من خلال اكتتاب أولي عام . ويعد انتعاش هذه الأنشطة من العوامل الحيوية لسلامة اقتصاد دولة الإمارات، إذ إنه يسمح للبورصات بأداء مهامها في توجيه أموال المستثمرين بشكل فعال إلى المشاريع والأعمال الناجحة .
ومع أن انخفاض حجم التداول يعود جزئياً إلى الأزمة الاقتصادية العالمية، التي لم تكن الإمارات العربية المتحدة بمنأى عن تداعياتها، ولكن مع ظهور مؤشرات التعافي الاقتصادي، يمكن اتخاذ عدد من الخطوات لإعادة اجتذاب المستثمرين السابقين إلى أسواق الأسهم، بالإضافة لاستقطاب مستثمرين جدد . وتم بالفعل اتخاذ إجراء بالغ الأهمية الشهر الفائت، وقد بدأ يثمر عن نتائج طيبة . ويتمثل هذا الإجراء في قيام كل من “بورصة ناسداك دبي” و”سوق دبي المالي” بدمج سيولتهما، وذلك في خطوة تكتسب أهمية استراتيجية، وتعكس أن حرارة الصيف لا تسبب توقفاً في جميع الأعمال . وبالتالي تم جلب المؤسسات الاستثمارية التي تسيطر على غالبية التداولات في “ناسداك دبي” إلى منصة تداول واحدة مع “سوق دبي المالي” التي تضم ما يزيد على 500 ألف من المستثمرين الأفراد . وساهم هذا الاندماج في تعزيز السيولة الإجمالية، كما شهد تداول الأفراد في بورصة ناسداك دبي ارتفاعاً ملحوظاً عقب هذه الخطوة .
ومن الخطوات المهمة أيضاً، والتي من شأنها أن تمنح المستثمرين الثقة للعودة مجدداً إلى التداول،ستكون قدرة دولة الإمارات على الإيفاء بمتطلبات “مؤشر مورغان ستانلي المُجمّع” “MSCI” وذلك لترقية وضعها كإحدى الأسواق الناشئة، حيث يعد تصنيف مؤشر “MSCI” من المعايير المرجعية لمديري الصناديق حول العالم . ومن المتوقع أن تتدفق مليارات الدولارات مباشرة إلى دولة الإمارات في حال تمكنت من تحقيق هذه الترقية .
والسبب الرئيسي لعدم انسجام الإمارات مع معايير مؤشر “MSCI” هو القيود التي تفرضها على حصة ملكية الأجانب، فالعديد من الشركات المدرجة لا تسمح بالاستثمارات الأجنبية على الإطلاق، أو تفرض حداً للملكية الأجنبية يقل عن 49% وهي النسبة التي يسمح بها قانون دولة الإمارات في غالبية الأحيان . ويعد فتح الباب أمام المزيد من الاستثمارات الأجنبية مؤشراً قوياً لزيادة الثقة . ولكنني على قناعة تامة من أنها ستكون خطوة مفيدة لاجتذاب المستثمرين الجادين والحريصين على الاحتفاظ بمراكزهم على المدى البعيد، ما سيؤدي بدوره إلى تقييم دقيق للأسهم، وتعزيز ارتباط دولة الإمارات بالنظام المالي العالمي .
كما يلقي مؤشر “MSCI” الضوء على بعض الثغرات ذات الطابع التقني، ومنها الحاجة إلى الانتقال إلى نظام للتسوية مماثل لذاك المتبع في الأسواق العالمية، والذي يدعى “التسليم مقابل الدفع”، بالإضافة للحاجة إلى إنهاء الفصل بين حسابات التداول والوصاية . ولعل من النقاط الإيجابية أن الهيئات المسؤولة في دولة الإمارات تعي بشكل جيد أهمية تلبية معايير مؤشر “MSCI” وهي تعمل بجد على دراسة سبل تحقيق ذلك .
ويمكن دعم ثقافة أكثر فاعلية للتداول عبر تقديم آليات مسؤولة لبيع الأوراق المالية المقترضة “البيع على المكشوف”، حيث تنتشر هذه الآليات على صعيد واسع في الأسواق العالمية، وتعد عاملاً مهماً لتعزيز مستويات السيولة، إلا أنها غير معتمدة في دولة الإمارات، باستثناء بورصة ناسداك دبي . ويسمح “البيع على المكشوف” للمستثمرين باقتراض الأسهم، وبيعها، وشراء أسهم “للشركة نفسها” بتاريخ لاحق، ليتم إعادتها إلى المالك الأصلي . وبما أن التعاملات المسؤولة في “البيع على المكشوف” تتيح للمستثمرين تحقيق الأرباح في فترات تراجع الأسعار، فمن شأن ذلك المحافظة على وجود المستثمرين في الأسواق خلال فترات النزول، وكل ما يقومون به هو تغيير استراتيجياتهم الاستثمارية . وتقوم الهيئات المسؤولة في دولة الإمارات العربية المتحدة أيضاً بدراسة كيفية التعامل بهذا الشأن .
وتعتبر الثقة ببيئة العمل الإجمالية من العوامل الرئيسية الأخرى، فقد أدت الأزمة المالية العالمية إلى زعزعة هذه الثقة في كل مكان . ويحتاج المستثمرون إلى التأكد من أن كلاً من الهيئات الحكومية والشركات الخاصة يمتلكون الكفاءة والفاعلية المطلوبتين . وبالنسبة لأسواق الأسهم، يتطلب ذلك تشريعات وأنظمة عالية الجودة للشركات المدرجة، بما في ذلك كيفية فرض تطبيقها . وتعمل جميع الأطراف المهتمة بأسواق المال في دولة الإمارات على تعزيز التقدم في هذا المجال .
وختاماً، لدي ثقة تامة بعودة انتعاش أنشطة التداول، ليس فقط من فترة ركودها الصيفي، ولكن بشكل مستدام يعكس تطور ونضج أسواق المال في دولة الإمارات العربية المتحدة، لذا، من المتوقع أن يكون الصيف المقبل مليئاً بالنشاط لنا جميعاً .