بقلم - علي العمودي
مرت بنا خلال الأيام القليلة الماضية الذكرى السادسة عشرة لتأسيس مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، الذي تحول في غضون سنوات قلائل إلى منارة ساطعة للفكر وصرح للتنوير، وأحد أبرز المراكز البحثية ليس على مستوى المنطقة فحسب، وإنما على المستوى العالمي. وهي مكانة لم تتحقق إلا من خلال التناول النوعي لأبرز القضايا والتحديات التي تواجه مجتمعاتنا والبشرية جمعاء.
وعلى امتداد ستة عشر عاماً، هي عمر المركز، كنا دوماً نتابع أنشطته المتعددة، لا سيما في تنظيم المؤتمرات والندوات والمحاضرات، وهو يستضيف نخباً وأعلاماً، لهم مكانتهم العلمية والأكاديمية المرموقة في مجتمعاتهم، وهم يقدمون عصارة تجاربهم لرفد وإثراء القضايا التي يحرص المركز على تسليط الضوء عليها، وهي في مجملها على تماس مع احتياجات تنموية وتطويرية في هذا الميدان أو ذاك، وفي مجالات غاية في الأهمية والحيوية لتطور مجتمعاتنا الخليجية والعربية. وكذلك الأمر بالنسبة للمحاضرات التي يستضيفها المركز لإضاءة معارفنا في مجريات الأحداث المعاصرة. والأمر ذاته بشأن الدراسات والأبحاث التي تساهم في خدمة صانعي القرار بما يعزز مسيرة التنمية.
لقد كانت إسهامات المركز واضحة وملموسة في إثراء مسيرة البحث العلمي والأكاديمي في الدولة، وهو يمثل منبراً وفضاء مفتوحاً للحوار الجاد والأفكار البناءة الخلاقة، ففي الشهر الماضي على سبيل المثال لا الحصر، خلّف المؤتمر السنوي الخامس عشر للمركز أصداء واسعة بملامسته لقضية بالغة الأهمية تتفاعل ليس في إماراتنا فحسب، وإنما في مجتمعاتنا الخليجية إجمالاً، وهي قضية مخرجات التعليم وسوق العمل، وهي التي تبدو كما عقبة كاداء تعترض العديد من البرامج والخطط في هذه المجتمعات الفتية، ولها انعكاساتها الملحوظة وبالذات فيما يتعلق بالتوطين في مجالات ومدارات مختلفة من أسواق العمل. ولم تقتصر إسهاماته في إثراء ساحات العمل البحثي والفكري من خلال تنظيم المؤتمرات والمحاضرات، وإنما كانت له بصماته المضيئة في الأخذ بيد جيل جديد من شباب هذا الوطن نحو عوالم العمل البحثي العلمي الجاد والرصين، ودعمهم وإيجاد فرص الالتحاق والاحتكاك بكبريات المراكز البحثية في أعرق الجامعات العالمية وصقل مهاراتهم وإثراء خبراتهم بالتدريب المكثف والاطلاع الأوسع والانفتاح على عالم البحث العلمي والدراسات والبحوث.
إن المكانة العلمية الرفيعة التي تحققت للمركز، وهو يبحر مضيئاً في سماء مسيرة العطاء والنماء على أرض إماراتنا الحبيبة بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، ما كانت لتتوافر لهذا الصرح الرائد لولا الدعم المتواصل والمتابعة الدؤوبة من الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس المركز، وسط آمال وأمنيات تتجدد بأن يظل هذا الصرح الشامخ شموخ إمارات المحبة والعطاء، منارة للفكر والريادة خدمة للإنسان والإنسانية بما يثري درب البشرية من علم نافع وفكر نير ترتقي وتهتدي بهما مجتمعاتنا، ومفتاح ذلك قرار صائب مبني على علم ووقائع، بعيداً عن الارتجال والتخبط اللذين لا يقودان إلا أصحابهما إلى الوراء بعد أن يكونوا قد فقدوا بوصلة الاتجاه الصحيح عند مفارق المراحل المفصلية على طريق بناء وتنمية وإسعاد مجتمعاتهم.