بقلم - عامر ذياب التميمي
مر أكثر من ثمانية عشر شهراً على بداية الأزمة المالية العالمية، منذ سبتمبر/ أيلول ،2008 فهل تعلم العرب دروساً منها؟ من دون مقدمات هذه الأزمة نتاج سياسات وممارسات بناها النظام الرأسمالي في ظل فلسفة التحرير الشامل والتي بدأت في عام 1981 عندما أصبح رونالد ريغان رئيساً للولايات المتحدة، وقد تكرست هذه الفلسفة الحاكمة للعمل الاقتصادي في الولايات المتحدة وعدد آخر من البلدان الأوروبية بعد أن أصبح آلان غرينسبان رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي والذي أصر على أن السوق يملك إمكانات تصحيح الشطط والانحراف في أداء المؤسسات والأفراد، لكن تزايد الأموال لدى البنوك والمؤسسات المالية خلال العقد الأول من هذا القرن دفع باتجاه التساهل في عمليات التمويل أو الإقراض وإصدار العديد من أدوات الدين والاستثمار من دون مراعاة للقواعد الاقتصادية الأساسية والمعايير التي تحدد المخاطر المقبولة في أي نشاط اقتصادي، لذلك فقد نتج عن ذلك التوسع في أعمال وأنشطة اقتصادية، وربما لم تكن ذات أهمية أو ضرورة، وكان لابد أن ينجم عن هذا التوسع تراجع في أداء العديد من الوحدات الاقتصادية في مختلف القطاعات والعجز عن تحقيق العوائد المناسبة لمواجهة الالتزامات التي فرضتها تلك الديون .
إن الأزمات والتجارب السابقة، والتي مرت بها البشرية، ومنها أزمة الكساد العظيم التي بدأت في عام 1992 أكدت أن الأسباب الموضوعية لها ذات صلة بالتوسع والرغبة في تحقيق الأرباح بأسرع وقت ممكن، بيد أن البشر أكدوا، خلال التاريخ الإنساني، قدرتهم على تكرار الأخطاء من دون الاتعاظ من تجاربهم السابقة . ولحسن الحظ أن التقدم العلمي وتحسن القدرات الإدارية وتطور الأوضاع المؤسسية والارتقاء بأداء المؤسسات الرقابية وتمكن الحكومات من التدخل في الأوقات الصعبة، وإن كان مكلفاً، كل ذلك ساهم في تعظيم القدرات على المواجهة . تشير البيانات والإحصاءات الاقتصادية الحديثة إلى أن معالم التعافي بدأت تتعزز في الولايات المتحدة وعدد من البلدان الواقعة ضمن الاتحاد الأوروبي، مثل فرنسا وألمانيا وهولندا، وليس هذا التعافي إلا نتاج سياسات تم اعتمادها منذ بداية الأزمة . وإذا كانت هناك معضلات قد برزت مثل مسألة الديون الحكومية في اليونان والبرتغال وإسبانيا فإن الاتحاد الأوروبي قرر توفير الدعم بعد أن اتخذت هذه البلدان، وخصوصاً اليونان، إجراءات لإصلاح الأنظمة المالية العامة وتبني برامج تقشفية حادة، أي أن التعامل مع الأزمة كان منهجياً ومنسقاً بين هذه البلدان المتقدمة وذات الأنظمة الاقتصادية والسياسية المتقاربة والتي تعمل على أسس مشتركة لحماية أي دولة تتعرض لهزات مالية واقتصادية .
الآن هل يمكن أن نزعم بأن البلدان العربية تعلمت من تجارب الدول المتقدمة مع الأزمة، وأن الدول العربية تأثرت بأشكال متفاوتة بالأزمة الاقتصادية، وإن ادعت بعض منها بأنها كانت محصنة ولم تتأثر؟ قد تكون الأزمة الاقتصادية مقيمة في مختلف البلدان العربية وليس هناك من حاجة لأزمة عالمية لكي تضعف أوضاعها، ربما تتحسن أحوال قطاعات معينة عندما تتدفق الأموال في شرايين النظام الاقتصادي خلال فترات زمنية محدودة، وخصوصاً القطاع العقاري وقطاع الخدمات عندما تتوفر أموال من البلدان العربية الثرية أو من المغتربين، لكن المشاكل الهيكلية تظل مستمرة، هناك أزمة إيجاد فرص العمل للأعداد المتزايدة والمتدفقة كل عام إلى سوق العمل، كذلك لا تتوفر حلول لمشاكل النمو السكاني أو تأهيل قطاعات اقتصادية مهمة، مثل قطاع الزراعة، والتي أهملت على مدى عقود طويلة . الآن وبعد هذه الأزمة يفترض أن تتعامل الحكومات العربية مع المسائل الاقتصادية على أسس جادة وتعمل على إصلاح الهياكل الاقتصادية وتأهيل البنية التحتية واستحداث أنظمة وقوانين متسقة تمكن من جذب الأموال العربية والأجنبية لتوظيفها في مختلف القطاعات، وإذا أرادت جامعة الدول العربية أن تكون لها فائدة فإن عليها أن تفعّل دور إداراتها ومؤسساتها لكي تعمل على تطوير علاقات اقتصادية مفيدة وواقعية بين الدول العربية وتعمل من أجل توظيف المزيد من الأموال في البنية التحتية وتعزيز الصناعات ذات الميزات النسبية وتطوير القطاعات الحيوية الأخرى . وهنا يجب التذكير بقرارات القمة الاقتصادية التي عقدت في الكويت في أوائل عام 2009 .