بقلم - وولفجانج شوبل
وصلت اليونان إلى مفترق طرق وللمرة الأولى نشترك نحن دول منطقة اليورو في مراقبة كاملة للسياسة المالية والنقدية لواحدة من الدول الأعضاء في الاتحاد النقدي الأوروبي .
وتحثنا حالة اليونان على استخلاص دروس للاتحاد النقدي . وأفكاري ليست موجهة بأي صورة من الصور إلى الإجراءات المحددة الرامية لتحقيق الاستقرار في اليونان . كما أنها ليست مرتبطة بالمناقشات المتعلقة بالحاجة لشكل من أشكال الحكومة الاقتصادية يوفر تنسيقاً أفضل بشأن السياسة الاقتصادية في أنحاء الاتحاد الأوروبي . إن تفكيري يتركز على جعل الاتحاد النقدي أكثر مرونة إزاء أزمة تواجهه .
وقد أثبت اليورو أنه ركيزة استقرار يُعتمد عليها خلال نشوب أزمة . فقد حمانا اليورو من اضطراب عملات داخل أوروبا كان سيفاقم الوضع في أوروبا . وبالرغم من ذلك، فإننا، في الاتحاد النقدي، نواجه لحظة حاسمة . فقد أصبحت آثار الأزمة أكثر وضوحاً، وأسواق العمل في بعض الدول تزداد ضعفاً والدين الحكومي في كل الدول تقريباً يتجاوز بكثير حدود العجز المسموح به . وهناك سبيل واحد للعمل وهو: يجب على كل أعضاء منطقة اليورو العودة إلى الالتزام بمعاهدة الاستقرار والنمو بأسرع ما يمكن . وإنني أركز على أهمية هذه الرسالة لأن لدي انطباعاً بأن الأسواق المالية العالمية على ما يبدو تتحدث بصراحة أكثر بكثير من كثير من الأصوات الأخرى في المجال السياسي .
ولقد جرى الكشف عن حالات ضعف هيكلي في بعض دول منطقة اليورو، وهي حالات ضعف يجب معالجتها بعملية تعديل طويلة ومؤلمة . ولم تكن رقابة السياسة الاقتصادية والمالية في منطقة اليورو غير كافية لمنع اتجاهات غير مرغوب فيها بطريقة ملائمة . ولذلك، يتعيّن علينا أن نزيد استخدامنا الحاسم للأدوات المتوفرة . ومن الآن فصاعداً، يجب أن لا تتلقى دولة عضو ذات عجز مفرط أموال دعم من الاتحاد الأوروبي إن لم تكن تعمل على تحقيق مدخرات كافية .
ومن الواضح أن مجموعة مؤسسات الرقابة الأوروبية غير كاملة . والاتحاد النقدي غير جاهز بعد لأوضاع شديدة الصعوبة من النوع الذي نشهده الآن والذي يتطلب تدخلاً شاملاً لتجنب أخطار نظامية أكبر . واعتقاداً منا بأن رقابة الموازنة كانت فعالة، تصوّرنا أن اللاتوازن الحالي لن يحدث .
وإذا أردنا لليورو أن يكون قوياً ومستقراً على أساس دائم - وهو شرطنا لنجلب المارك الألماني وصدقيته العالية إلى حظيرة اليورو - يجب أن نكون مستعدين للتكامل أكثر في منطقة اليورو . وإن التنسيق بين أعضاء اليورو يجب أن يكون أوسع نطاقاً . ويتعيّن على هذه الدول الأعضاء لعب دور فعّال في صنع سياسة بعضها بعضاً .
وإنني أدرك أن من الضروري تخطي قدر كبير من المقاومة السياسية . ورغماً عن ذلك، فإنني على قناعة بأن - ومن منظور ألمانيا - التكامل الأوروبي والاتحاد النقدي واليورو تمثل الخيار الوحيد . والمسألة الحاسمة هي قدرة الأوروبيين على التعاون في شراكة للتعامل مع الشدائد . وللمرة الأولى، أصبح واضحاً أن دولة عضواً في الاتحاد النقدي ذات أسس اقتصادية ضعيفة يمكن أن تفقد سريعاً ثقة الأسواق المالية العالية خلال أزمة موازنة حادة . ويطرح هذا الوضع أسئلة حول الكيفية التي يمكن من خلالها تقديم دعم لدولة عضو وتجنب تهديد التقصير على الفور تعزز تلك الدول مالياتها .
وقد كانت هذه المهام تقليدياً مهاماً تولاها صندوق النقد الدولي خلال أزمات كثيرة وقد حقق نتائج قوية . وبالنسبة لدولة عضو في الاتحاد النقدي، لا يُعتبر هذا النهج بمنأى عن المتاعب لأن منطقة سياسة مركزية - وتحديداً سياسة نقدية - جرى تجميعها . ولهذا دار نقاش مستفيض حول مشاركة صندوق النقد الدولي . ومن الأفضل للدول الأعضاء في منطقة اليورو أن تعد نفسها لمثل تلك الأزمات وأن تعزز إطار عملها المؤسسي . وبمقدورنا أن نبني على الخبرة المكتسبة من استخدام برنامج تسهيلات الاتحاد الأوروبي الخاص بالعون المالي المتوسط الأجل لدول ليست أعضاء في منطقة اليورو . وفي مايو/ أيار ،2009 وصل التمويل إلى أعلى ذروة له بسبب الصعوبات الاقتصادية الكبيرة التي واجهتها بعض الدول الأعضاء في وسط وشرق أوروبا . وقد ساعد ذلك على تخفيف عواقب الأزمة .
ويستطيع أعضاء منطقة اليورو أيضاً أن يحصلوا على معونة سيولة عاجلة من “صندوق نقدي أوروبي” لتخفيف خطر حالات التقصير . ويجب الربط بين شروط مشددة وبطاقة سعر باهظ بحيث يجري سحب العون فقط في حالة الطوارئ التي تشكّل تهديداً للاستقرار المالي لمنطقة اليورو برمتها . وينبغي تقوية هذا التأثير بدرجة أكبر باستبعاد الدولة المعنية عن عملية اتخاذ القرار، ويجب أن يكون العون هو السبيل الوحيد الباقي . وينبغي اتخاذ القرارات السياسية المتعلقة بالعون داخل مجموعة اليورو بالاتفاق مع المصرف المركزي الأوروبي . ويمكن للعون الاقتصادي أن يكون مقروناً أيضاً على أساس الزامي بعقوبات أكثر شدة داخل إطار عمل إجراءات عجز الموازنات . ويمكن فرض الغرامات النقدية على الفور و- متى انتهت فترة الانتظار -وتطبيقها على الدولة العضو دون أي حق في الرجوع لاستعادة الغرامة . وإن احتمال ربط العون العاجل بالإجراء المالي التصحيحي المشدد سيعزز ثقة الأسواق المالية، ويمنع بذلك تعميق الأزمة ويساعد على تجنب حاجة أعضاء منطقة اليورو لطلب المساعدة من صندوق النقد الدولي في المستقبل .
وإن معونات السيولة العاجلة ربما لا يمكن أبداً النظر إليها على أنها أمر مسلّم به . ومن حيث المبدأ، يمكن لدولة أن تفلس . وإن مواجهة واقع غير مستحب يمكن أن يكون الخيار الأفضل في حالات بعينها . وتتوفر الحماية بأفضل صورة للاتحاد النقدي واليورو في حين ظلت منطقة اليورو متمتعة بالثقة وقادرة على التصرّف حتى الأوقات العصيبة . ويعني هذا بالضرورة تعليق حقوق دولة عضو غير متعاونة في التصويت في مجموعة اليورو . وبالنسبة لدولة تعاني ماليتها من الفوضى لا يجب السماح لها بالمشاركة في القرارات المتعلقة بماليات دولة عضو أخرى في اليورو . وفي حال وجدت دولة عضو في منطقة اليورو نفسها عاجزة في خاتمة المطاف عن تقوية موازناتها أو استعادة تنافسيتها، يجب على هذه الدولة - وكسبيل أخير باق - أن تغادر الاتحاد النقدي مع استطاعتها الاستمرار عضواً في الاتحاد الأوروبي .
وينبغي كذلك تعليق حقوق الدولة العضو في منطقة اليورو في التصويت لمدة عام إذا توصلت إجراءات التحقيق في المخالفات أن تلك الدولة أخلّت متعمدة بالقانون الاقتصادي والنقدي الأوروبي . وقد أصبحت كارثة الموازنة اليونانية واضحة فقط عندما جرى الكشف عن الاحصائيات المتلاعَبْ بها في الخريف الماضي، وإنني أفضل أن يتمتع مكتب الاحصاءات في الاتحاد الأوروبي “يوروستات” بالحق في فحص جميع الحسابات العامة عندما يتأكد الشك في وجود تلاعب .
ومن دون شك، سيتطلب تكييف قواعد الاتحاد النقدي بسرعة لتلائم الحقائق الجديدة قوة إرادة سياسية عظيمة . ومع ذلك، لا يوجد بديل للاتحاد النقدي . وهناك بعض الأشخاص الذين ربما يشعرون بأن شكوكهم تجاه اليورو ثبتت صحتها . وهؤلاء يغفلون جوانب قوة أوروبا والمشكلات التي تواجهها مناطق اقتصادية عالمية كبرى أخرى .
وهناك حاجة للمزيد من الهدوء . واليورو هو المكافئ للمارك الألماني بالنسبة للاستقرار . وهناك قليل من التضخم وتكاليف التمويل منخفضة عموماً . واليورو حالياً هو ثاني أهم عملة احتياطيات واستثمارات . وهناك سبب رئيسي وهو أن الأسواق المالية لديها قدر كبير من الثقة في المصرف المركزي الأوروبي . ومن أجل المحافظة على هذه الثقة، يجب تجاوز الأزمة سريعاً . وهذه الصدقية مفيدة للاتحاد النقدي للتغلب على الأزمة المالية . وإذا نجحنا في إعادة السياسات المالية بالدول الأعضاء إلى الطريق الصحيح، ستكون الأزمة قد جلبت تغييراً للأفضل .
* الكاتب هو وزير مالية ألمانيا والنص نشرته “فاينانشيال تايمز”