دأبت بعض المجلات ومنها “فوربس” على نشر قوائم بأسماء أثرى أثرياء العالم في كل عام، ولو سلّمنا بدقة ما قدمته هذا العام الأعجف بكل المقاييس، فإن ثروة البعض تجاوزت خمسين مليار دولار ومنهم بيل غيتس، واللبناني سليم الحلو الذي يعيش في أمريكا الجنوبية منذ زمن طويل . ونحن لن نكرر مع بعض المعلقين سواء في الصحافة أو عبر التلفزة قائلين “اللهم لا حسد”، وإن كانت المسألة عندما تتعلق بأرقام شبه فلكية كهذه تتجاوز ثنائية الغبطة والحسد إلى سؤال بحجم كوكبنا كله عن سرّ هذا التفاوت، الذي يستعصي على الوصف، بين إنسان وآخر، ولدا على سطح هذه الأرض، وسيدفنان ذات يوم في باطنها .
والمثل القائل إن الكفن بلا جيوب يختصر كل ما يمكن أن نقوله أو يقوله سوانا في هذا المقام .
وقد تكون طبعة “فوربس” المخصصة لقائمة أثرى الأثرياء باللون الأحمر، أو الأخضر لكنها بالتأكيد ليست صفراء أو حتى سوداء لأن أكثر من مليار جائع في عالمنا هم من الصّفر والسّود وأحياناً من الهنود السُّمر لا الحُمْر .
ولو تخيلنا طبعة صفراء شاحبة الغلاف من هذه المجلة وسواها وهي تنشر قائمة بأفقر ألف إنسان في العالم، لأتاح لنا هذا التخيل ما لا تتيحه الأرقام والتحقيقات الصحافية المصوّرة .
وقد يكون أفقر إنسان في العالم هو ذلك الذي صوّره أحد الفنانين في بوستر فاضح وهو فم فاغر لكن العنكبوت نسج له حاجزاً، أو ذلك الإفريقي الذي قيل إن آخر وجبة تناولها قبل الموت جوعاً هي ما تبقى من أسمال كانت تغطي عورته .
فقراء العالم وجياعه لا يتنافسون على لقب الأكثر جوعاً، لأنه ما من بارومتر حتى الآن أو حاسوب يمكنه رصد منسوب الجوع خصوصاً بعد جفاف اللعاب، وابتلاع اللسان، وقد وصف الكاتب الفرنسي “البير كامو” ذات مجاعة من شاهدهم من الجياع وكان في رحلة استكشافية للطوارق، قائلاً: إنهم كانوا بلا أسنان، لهذا رأيتهم يمتصون باطن خُدودهم وأحياناً يقرضونها باللثة الناشفة، وهذه ليست مناسبة لاستعراض ما كتب عن الجوع بدءاً من رواية لاتينية بالغة القسوة حتى الأربعين ألف إنسان الذين ماتوا بالأمس وسيموت مثلهم في الغد لسبب واحد فقط هو الجوع .
لكن الأشياء تذكرنا أحياناً بنقائضها فالثروة والفقر ليسا منفصلين أو قطبين متباعدين، إن بينهما جدلاً لم ينقطع منذ الكهف حتى الانترنت . وأحياناً ينتج أحدهما الآخر، ويبدو أن أثرياء العالم الذين يفرطون أحياناً في الحديث عن الانسانيات درءاً للحسد أو بحثاً عن توازن نفسي بحاجة إلى وجبة من طراز تلك التي قدمتها الكاتبة سيمون دو بوفوار لبرجوازيات باريس في خمسينات القرن الماضي، فقد أضجرتها ثرثرة البرجوازيات عن الفقر في آسيا وإفريقيا، فدعتهن ذات مساء إلى حفلة عشاء قُدمت فيها أطباق من تلك التي تباع بما فيها من حساء آسن وذباب على أرصفة بعض المدن الآسيوية، وعندما أصبن بالغثيان ومنهن من تقيأن ما كن قد تناولنه طيلة النهار وقبل الذهاب إلى ذلك العشاء، عندئذٍ أدركن أن من تصطلي أصابعه في النار ليس كمن يتدفأ عليها عن بعد وهو يقلب حبات الكستناء تحت الجمر .