بقلم - حسن محمد عرب
اكتملت منظومة التشريعات الالكترونية في دولة الإمارات العربية المتحدة بصدور القانون الاتحادي رقم (36) لسنة 2006 بتعديل بعض أحكام قانون الاثبات في المعاملات المدنية والتجارية الصادر بالقانون الاتحادي رقم (10) لسنة 1992 والتي بدأت بصدور القانون المحلي رقم (2) لسنة 2002 بشأن المعاملات والتجارة الالكترونية. وبعد أربع سنوات من صدوره، صدر القانون الاتحادي رقم (1) لسنة 2006 في شأن المعاملات والتجارة الالكترونية وكذلك القانون الاتحادي رقم (2) لسنة 2006 في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات. وأخيراً صدر القانون رقم (36) لسنة 2006 بتعديل بعض أحكام قانون الاثبات في المعاملات المدنية والتجارية رقم 199210 وذلك بإضافة بعض المواد الجديدة التي عرفت التوقيع الالكتروني والمحرر الالكتروني وحجية كل منهما في الاثبات على النحو الذي سنتطرق إليه بالتفصيل لاحقاً.
إن صدور القانون المنوه عنه في شأن تعديل وإضافة مواد جديدة إلى قانون الاثبات يُعد خطوة مهمة أدركها المشرع الإماراتي في الوقت المناسب نتيجة التطور السريع الذي تشهده الدولة في مختلف القطاعات ليواكب التطور العالمي الهائل في مجال تقنية المعلومات ووسائل الاتصال، الأمر الذي فرض بدوره انتشار المعاملات ذات الطابع الالكتروني التي باتت السمة المميزة والبارزة في المعاملات الحديثة، لذا كان لابد من صدور قانون يحدد معالم هذه النوعية من المعاملات.
ولم يكن صدور القوانين الخاصة بهذه المعاملات كافياً دون صدور قانون آخر يعتمد الوسائل الالكترونية ويضفي عليها ذات الحجية المقررة لوسائل الاثبات الأخرى فكان صدور القانون الاتحادي رقم (36) لسنة 2006 بتعديل بعض أحكام قانون الاثبات في المعاملات المدنية والتجارية الصادر بالقانون الاتحادي رقم (10) 1992.
ملامح القانون الجديد: نصت المادة الأولى من القانون الاتحادي رقم (36) لسنة 2006 على ما يلي: “يضاف بند جديد برقم (3) إلى المادة (17) من قانون الاثبات في المعاملات المدنية والتجارية المشار إليه يكون نصه الآتي:
يكون الوفاء عن طريق الوسائط الالكترونية مبرئاً للذمة وذلك وفق ما يحدده وزير العدل بالتنسيق مع الجهات المعنية” ويذكر أن المادة (17) المنوه عنها كانت تنص على الآتي:
أولاً، تأشير الدائن على سند الدين بخطه ودون توقيع منه بما يفيد براءة ذمة المدين يعتبر حجة عليه إلى أن يثبت العكس، ويكون تأشير الدائن بمثل ذلك حجة عليه أيضاً ولو لم يكن بخطه ولا موقعاً منه ما دام السند لم يخرج فقط من حيازته. ثانياً، كذلك يكون الحكم إذا أثبت الدائن بخطه ودون توقيع منه ما يفيد براءة ذمة المدين في نسخة أصلية أخرى لسند أو مخالصة وكانت النسخة أو المخالصة في يد المدين”.
بإضافة الفقرة (3) للمادة (17) على النحو المشار إليه، فإن هناك أحكاماً عديدة سوف تتغير تبعاً لهذه الإضافة من ناحية اختلاف مفاهيم هذه الأحكام وتطورها وانتقالها من مرحلة إلى مرحلة أخرى. فبعدما كانت ترمز الكتابة إلى إنزال الأحرف أو الرموز على القالب الورقي لكي يعتد بالورقة وتحوز الحجية في الاثبات، توسع هذا المفهوم ليعطي الكتابة مفهوماً أوسع وأشمل ضم الكتابة الالكترونية التي بات لها ذات الحجية في الاثبات.
إن إضافة الفقرة (3) للمادة (17) من قانون الاثبات بالإضافة إلى المواد الجديدة التي أضيفت في القانون الجديد، سوف تؤثر في مواد عديدة في قانون الاثبات من قبيل مفهوم المحرر الرسمي والمحرر العرفي وحجيتهما في الاثبات، مفهوم أصل المحرر والصورة المطابقة للأصل فيما يتعلق بالمحررات الالكترونية، مفهوم التوقيع، مفهوم الدفاتر التجارية وحجيتها لاسيما إذا كانت محفوظة وموثقة بشكل الكتروني.
إلى غير ذلك من المفاهيم المعتادة التي ستتأثر حتماً بسبب اعتماد الوسائط الالكترونية وحلولها في قانون الاثبات، لذا لم يكن مستغرباً بأن ينص المشرع في المادة الثالثة من القانون الجديد موضوع هذا التعليق على أن يلغى كل حكم يخالف أو يتعارض مع أحكام هذا القانون. كما أن صعوبة تطبيق هذا القانون بشكل فوري لم يفت المشرع أيضا.
إذ فطن بأن صعوبات عديدة قد تظهر في إصدار القانون دون وضع آلية وضوابط محددة لتطبيقه، لذا نجده أناط بوزير العدل التنسيق مع الجهات المعنية لاعتماد الوفاء بالوسائط الالكترونية مبرئاً للذمة.في المادة الثانية من القانون الجديد رقم 36 لسنة 2006 نجد أن المشرع قد نص على ما يلي: “يضاف فصل جديد إلى الباب الثاني بعنوان “الفصل الثاني مكرراً” ويضاف فيه مادة جديدة برقم (17 مكرراً) نصها الآتي:
المادة (17) مكرراً:
1 يعتبر توقيعاً الكترونياً كل أحرف أو أرقام أو رموز أو إشارات أو صور أو أصوات لها طابع منفرد تسمح بتحديد شخص صاحب التوقيع وتمييزه عن غيره على النحو الوارد في قانون المعاملات والتجارة الالكترونية.
2 يعتبر محرراً الكترونياً كل انتقال أو إرسال أو استقبال أو تخزين لرموز أو إشارات أو كتابة أو صور أو أصوات أو معلومات أياً كانت طبيعتها تجري من خلال وسيلة تقنية معلومات.
3 للتوقيع الالكتروني ذات الحجية المقررة للتوقيعات المشار إليها في هذا القانون إذا روعي فيه الأحكام المقررة في قانون المعاملات والتجارة الالكترونية.
3 للكتابة الالكترونية والمحررات الالكترونية والسجلات والمستندات الالكترونية ذات الحجية المقررة للكتابة والمحررات الرسمية والعرفية في أحكام هذا القانون متى استوفت الشروط والأحكام المقررة في قانون المعاملات والتجارة الالكترونية”.
وأحسن المشرع حينما اعتمد الكتابة والمحررات والتوقيع الالكتروني وأسبغ عليها الحجية المقررة في الاثبات، كما أحسن المشرع حينما ربط بين ما أورده في هذا القانون بما هو منصوص عليه في قانون التجارة والمعاملات الالكترونية على اعتبار أنه قانون خاص عالج بعض النقاط التقنية والأحكام والشروط التي يجب مراعاتها لاعتبار التوقيع الالكتروني، الكتابة الالكترونية، المحررات الالكترونية والسجلات والمستندات الالكترونية ذات قيمة في الاثبات. الجدير بالذكر أن قانون المعاملات والتجارة الالكترونية تضمن فصلاً مهماً عرف: المقصود بالالكتروني، المعلومات الالكترونية، نظام المعاملات الالكتروني، معنى السجل أو المستند الالكتروني، معنى وسيلة تقنية المعلومات، معنى المنشئ والمرسل إليه، معنى البرنامج المعلوماتي، معنى الرسالة والمراسلة الالكترونية، معنى التوقيع الالكتروني والتوقيع الالكتروني المحمي، معنى المُوقع وأداة التوقيع، معنى الوسيط الالكتروني المؤتمن والمعاملات الالكترونية المؤتمنة، بالإضافة إلى فصول أخرى عرفت: سريان القانون وأهدافه، متطلبات المعاملات الالكترونية (المراسلات الالكترونية، حفظ السجلات الالكترونية، قبول التعامل الالكتروني، الكتابة، التوقيع الالكتروني، الأصل الالكتروني، قبول وحجية البينة الالكترونية)، المعاملات الالكترونية من حيث (إنشاء العقود وصحتها، المعاملات الالكترونية المؤتمنة، الإسناد، الإقرار بالاستلام، زمان ومكان إرسال واستلام الوسائل الالكترونية)، السجلات والتوقيعات الالكترونية (السجلات الالكترونية المحمية، التوقيع الالكتروني المحمي، الاعتماد على التوقيعات وشهادات المصادقة الالكترونية، واجبات الموقع)، الاعتراف بشهادات المصادقة الالكترونية والتوقيعات الالكترونية الأجنبية، الاستخدام الحكومي للسجلات والتوقيعات الالكترونية، العقوبات وغير ذلك من الفصول والمواد المهمة التي ننصح المختصين والمهتمين بالرجوع إليها للوقوف على أهمية هذا القانون الذي سوف يشغل حيزاً كبيراً ومجالاً واسعاً للتطبيق في ظل ازدياد طبيعة المعاملات الالكترونية وانتشارها السريع والأهم من كل ذلك هو اعتراف المشرع بالوسائل الالكترونية الذي سيعزز من ثقة المتعاملين في هذه النوعية من المعاملات.
وختاماً فإننا نقدر الخطوات المهمة التي اتخذها المشرع في تعديل وسن العديد من التشريعات المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بما يحدث في الدولة من تطورات في شتى المجالات والقطاعات لاسيما التشريعات الخاصة بالمعاملات الالكترونية واعتماد المحررات والتوقيع الالكتروني في قانون الاثبات. وعلى الرغم من توقعنا المسبق لحجم الصعوبات التي قد تظهر نتيجة اعتماد هذه الوسائل والوسائط كأدلة اثبات إلا أن هذه المشكلات والصعوبات قد تتفاقم أكثر بكثير في حال عدم وجود تشريع منظم لها، لذا فالتغلب على الصعوبات والثغرات المستقبلية لا يظهر إلا بعد صدور القوانين المعنية إذ سيكشف الواقع العملي عند التطبيق حجم هذه الصعوبات وكيفية حصرها وإيجاد الحلول المناسبة للتغلب عليها.