من الواضح أن موازين القوى الاقتصادية في العالم قد بدأت في التغير، وهذا ليس مرتبطا فقط بالأزمة المالية العالمية، بل بمعطيات وعوامل ما قبل الأزمة، الأمر الذي يعطي الخبراء الحق في استقراء مستقبل الساحة الاقتصادية العالمية، على أسس موضوعية بعيدة عن تأثير العوامل السياسية.
ورد استنتاج في التقرير التحليلي الصادر عن شركة «برايس وتورهاوس كوبيرس» المعروفة عالميا، أن روسيا ستصبح أكبر قوة اقتصادية في أوروبا بحلول عام 2030 والخامسة على مستوى العالم، وستحل ألمانيا في المركز الثاني لتأتي بعدها فرنسا، لتشكل هذه الدول معا الثلاثي الاقتصادي الأول في أوروبا.
ويرى الخبراء في تقريرهم أنه بشكل عام، ستحدث «ثورة جيوسياسية» في الاقتصاد العالمي خلال الأعوام القليلة المقبلة، عندما ستحل مجموعة «سباعية» جديدة باسم «السبعة الأقوياء» محل القادة التقليديين، المتمثلين بالقوى الصناعية الغربية العظمى المتحدة تحت اسم مجموعة «السبعة الكبار».
وهي؛ الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وايطاليا وكندا. وستضم المجموعة الجديدة الدول ذات الاقتصادات النامية، وهي: الصين وروسيا والهند والبرازيل والمكسيك واندونيسيا وتركيا.
وأشار التقرير إلى أنه بحلول عام 2019 ستصل هذه المجموعة الجديدة بناتجها المحلي الإجمالي مجتمعة، إلى مستوى الدول «السبع» الحالية. وبعد حوالي عقد من الزمن، أي في عام 2030، سوف يتجاوز إجمالي الناتج المحلي لهذه الدول، الناتج المحلي لمجموعة الدول «السبع» الحالية بنسبة 30%.
وبحلول عام 2030، سيبدو التصنيف العالمي للقوة الاقتصادية في رأي الخبراء، على الشكل التالي: الصين، الولايات المتحدة الأميركية، الهند، البرازيل، روسيا، ألمانيا، المكسيك، فرنسا ومن ثم بريطانيا. في نفس الوقت يرى خبراء آخرون أنه لا يمكن تصديق هذه التوقعات.
إلا عندما تتزعزع مواقع الاقتصاد الأميركي، وتلوذ رؤوس الأموال بالفرارمنها إلى الصين وروسيا والهند والبرازيل. ومثل هذه الاحتمالات يصعب التنبؤ بها من الآن وعلى المستقبل البعيد.
وأظهرت إحصاءات رسمية أن روسيا تمكنت من إيقاف انكماش الإنتاج الصناعي في عام 2009، عندما عادت الصناعة الروسية لتحقق النمو ابتداء من الفصل الثاني. وبينما نما الاقتصاد الروسي في الفصل الثاني من عام 2009 بنسبة 5 .0%، بلغ النمو في الفصل الرابع 3 .6%.
هذه ليست أول مرة تظهر تحليلات الاقتصاديين الغربيين أن روسيا ستحتل موقعا اقتصاديا مرموقا في المستقبل، رغم الأزمة الاقتصاديةِ العالمية، والمستوى الاقتصادي الروسي الهزيل بالنسبة لاقتصاديات الدولِ الأخرى، فمنذ بدايات الأزمة الاقتصادية في العام الماضي والتقارير الغربية تؤكد أن روسيا من أقل الدول تأثرا بالأزمة، وإن كان البعض أحال الأمر إلى صادرات النفط والغاز، إلا أن توجه المزيد من الاستثمارات الأجنبية إلى السوق الروسية مؤخرا يؤكد عكس ذلك.
خبراء شركةِ «برايس وتورهاوس كوبيرس» يعتقدون أن الدولَ الناميةَ في السنوات التسعِ المقبلة ستُظهر نموا اقتصاديا مذهلا، سيؤدي بدوره إلى تغييرٍ كاملٍ في التركيبةِ الاقتصاديةِ العالمية. ومن الملفت أن آراء المحللين الروس أنفسهم حول هذه القضيةِ مختلفة وأقل تفاؤلا من الأجانب، فبعضُهم يرى أن هذه التوقعاتِ في محلها وآخرون يتوقعون العكس تماما.
حيث يقول المدير العام لشركة «فين اكسبرتيزا» الروسية، اغفان ميكائيليان، ان هذه التوقعات مقبولة، رغم أن الواقع قد يطرح متغيرات مناقضة لتلك التوقعات، حيث ان روسيا لا تزال حتى اليوم من أكثرِ الدول اجتذابا لرؤوس الأموال، على الرغم من عامل المخاطرة الذي يطغى على السوق منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية.
حيث ان الأرباح يمكن أن تنخفض فيها إلى نقطةِ الصفر، لكنها سرعانَ ما تنطلق إلى الأعلى، مشيرا إلى الأحداث الأخيرة التي شاهدتها الأسواق العالمية.
ومن جهة أخرى، يرى مدير قسمِ التحليلِ الاستراتيجي في الشركةِ الاستشاريةِ للمحاسبة والمالية، إيغور نيكولايف، أنه من الصعبِ التنبؤ بحدوثِ طفرةٍ كبيرةٍ في المستقبلِ، دون تحليل الأحداث في الوقت الراهن، فقد أثبتت الدراساتُ أن روسيا أحرزت أسوأ النتائجِ وسطَ دولِ مجموعةِ العشرين، بنهاية عامِ 2009، لذلك فمن غيرِ الواضح كيف ستحدُث هذه الطفرةُ الكبيرة!