سر النهضة الآسيوية، لا في اليابان وحدها وإنما في البلدان التي عرفت بنمور آسيا، يكمن في النهضة التعليمية، التي جرت مقاربتها بجدية ووفق منظور استراتيجي بعيد المدى، لا على شكل هبات أو موجات عابرة تتلاشى بذات السرعة التي تهب بها وربما أسرع.
بل إن بلداً مثل الهند لم يكن للتعليم فيه حتى عقدين من الزمن تلك السمعة الطيبة، يملك اليوم عدداً من أفضل المعاهد في العالم في مجال المعلوماتية، وهذا يقدم لنا واحداً من أسباب النهضة الهندية الراهنة.
كثرت المرات والمناسبات التي يجري فيها الحديث عن ضرورة إصلاح النظم التعليمية في بلدان مجلس التعاون الخليجي، لنكتشف بعد كل مرة أن الأمر لا يعدو كونه أشبه بالموجة العابرة التي تأتي قوية، وأحياناً في منتهى القوة، لكنها شأنها شأن كل موجة سرعان ما تنحسر وتتبدد. فلم نشهد أي انعطافة حقيقية في النظام التعليمي تذكرنا بتلك التي جرت في البلدان التي صممت على النهوض، فاختارت أن تبدأ بإصلاح التعليم.
في كل بلد خليجي على حدة، وعلى مستوى المنظومة الخليجية كاملة، جرت مقاربات عدة لضرورة إصلاح النظام التعليمي، وشكلت لجان متخصصة واستقدم خبراء أجانب وشركات ذات صلة بالشأن التربوي، وبعض المعالجات والمقاربات لا تنقصها الجدية والعمق، لكن العبرة ليست في الذي يكتب على الورق، وإنما في ذلك الذي ينفذ على الأرض.
ومشكلتنا أن إصلاح التعليم، كما أشياء أخرى، لا يرتبط بقرار سياسي استراتيجي حاسم، أي يتصل برؤية الدولة ذاتها لهذه المسألة وعلاقتها بالرؤية التنموية على المستوى الوطني الشامل، لذلك تكثر عندنا البدايات التي سرعان ما تجهض، وتتكرر محاولات التجريب التي لا تقود إلا إلى التشوش والتشويه.
لأن الأمر لا يتصل برؤية عامة تتبناها الدولة المعنية وتعمل على تنفيذها بغض النظر عن الفريق الذي يشرف على تطبيقها، وبالتالي لا يمكن لهذه الرؤية أن تتغير كل أربع أو خمس سنوات تغييراً جذرياً، كأن تزاح نهائياً وتحل محلها رؤية بديلة لا تجد هي الوقت الكافي لاختبار جدواها حتى تستبدل بثالثة وهكذا.
لذا ليس غريباً تعثر جهود إصلاح النظام التعليمي، وهو إصلاح لن يمكن من دونه لبلداننا أن تغادر حالة العشوائية والمراوحة التي تعاني منها، في اتجاه التخطيط والجدولة الزمنية المدروسة.